عبد الله بن أحمد النسفي
72
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
38 / 75 - 78 75 - قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ما منعك عن السجود لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي بلا واسطة ، امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي ، وقد مر أنّ ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيده فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما ، حتى قيل في عمل القلب هو ما عملت يداك ، وحتى قيل لمن لا يدين له يداك أوكتا وفوك نفخ . وحتى لم يبق فرق بين قولك هذا مما عملته وهذا مما عملته يداك ، ومنه قوله : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا « 1 » ولما خلقت بيديّ أَسْتَكْبَرْتَ استفهام إنكار أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ممن علوت وفقت ، وقيل أستكبرت الآن أم لم تزل مذ كنت من المستكبرين . 76 - قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه من طين ، والنار تغلب الطين وتأكله ، وقد جرت الجملة الثانية من الأولى وهي خلقتني من نار مجرى المعطوف عطف البيان من المعطوف عليه في البيان « 2 » . 77 - قالَ فَاخْرُجْ مِنْها من الجنّة ، أو من السماوات ، أو من الخلقة التي أنت فيها ، لأنه كان يفتخر بخلقته ، فغيّر اللّه خلقته ، واسودّ بعد ما كان أبيض ، وقبح بعد ما كان حسنا ، وأظلم بعد ما كان نورانيا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ مرجوم أي مطرود ، تكبّر إبليس أن يسجد لمن خلق من طين ، وزلّ عنه أنّ اللّه أمر به ملائكته وتبعوا أمره إجلالا لخطابه ، وتعظيما لأمره ، فصار مرجوما ملعونا بترك أمره . 78 - وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي بفتح الياء مدني ، أي إبعادي من كلّ الخير إِلى يَوْمِ الدِّينِ أي الجزاء « 3 » ، ولا يظنّ أنّ لعنته غايتها يوم الدين ، ثم تنقطع ، لأن معناه أنّ عليه اللعنة في الدنيا وحدها ، فإذا كان يوم الدين اقترن بها العذاب فينقطع الانفراد ، أو لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة فأولى أن تكون عليه في غير أوانها وكيف تنقطع وقد قال اللّه تعالى : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ « 4 » .
--> ( 1 ) يس ، 36 / 71 . ( 2 ) ليس في ( ز ) : من المعطوف عليه في البيان . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) أي يوم الجزاء . ( 4 ) الأعراف ، 7 / 44 .