عبد الله بن أحمد النسفي
61
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
38 / 27 - 29 27 - وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من الخلق باطِلًا خلقا باطلا لا لحكمة بالغة ، أو مبطلين عابثين ، كقوله : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ « 1 » وتقديره ذوي باطل أو عبثا ، فوضع باطلا موضعه ، أي ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب ، ولكن للحقّ المبين ، وهو أنا خلقنا نفوسا أودعناها العقل ، ومنحناها التمكين ، وأزحنا عللها ، ثم عرّضناها للمنافع العظيمة بالتكليف ، وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب أعمالهم ذلِكَ إشارة إلى خلقها باطلا ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا الظنّ بمعنى الظنون ، أي خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا ، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة مع إقرارهم بأنه خالق السماوات والأرض وما بينهما لقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ « 2 » لأنه لمّا كان إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب مؤديا إلى أنّ خلقها عبث وباطل جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه ، لأنّ الجزاء هو الذي سيقت « 3 » إليه الحكمة في خلق العالم فمن جحده فقد جحد الحكمة في خلق العالم فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ . 28 - أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ أم منقطعة ، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار ، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما يقول الكفار لاستوت أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر ، ومن سوّى بينهم كان سفيها ولم يكن حكيما . 29 - كِتابٌ أي هذا كتاب أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يعني القرآن مُبارَكٌ صفة أخرى لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وأصله ليتدبّروا قرئ به ، ومعناه ليتفكروا فيها ، فيقفوا على ما فيه ويعملوا به ، وعن الحسن : قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ، حفظوا حروفه وضيّعوا حدوده . لتدبّروا على الخطاب بحذف إحدى التاءين يزيد وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ وليتعظ بالقرآن أولو العقول .
--> ( 1 ) الأنبياء ، 21 / 16 . ( 2 ) لقمان ، 31 / 25 . الزمر ، 39 / 38 . ( 3 ) في ( ز ) سبقت .