عبد الله بن أحمد النسفي
103
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
40 / 4 - 5 غافر الذنب وقابل التوب فمعرفتان لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين حتى يكونا في تقدير الانفصال فتكون إضافتهما غير حقيقية ، وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه ، وأما شديد العقاب فهو في تقدير شديد عقابه فتكون نكرة ، فقيل هو بدل ، وقيل لمّا وجدت هذه النكرة بين هذه المعارف آذنت بأنّ كلّها أبدال غير أوصاف ، وإدخال الواو في قابل التوب لنكتة وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين ، بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات ، وأن يجعلها محّاءة للذنوب كأن لم يذنب ، كأنه قال : جامع المغفرة والقبول . وروي أنّ عمر رضي اللّه عنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام ، فقيل له تتابع في هذا الشراب ، فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر إلى فلان سلام عليك وأنا أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو . بسم اللّه الرحمن الرحيم حم إلى قوله إليه المصير ، وختم الكتاب وقال لرسوله لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا ، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة . فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد وعدني اللّه أن يغفر لي وحذرني عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى . ثم نزع فأحسن النزوع وحسنت توبته ، فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زلّ زلة فسدّدوه ووقّفوه وادعوا له اللّه أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه « 1 » لا إِلهَ إِلَّا هُوَ صفة أيضا لذي الطّول ، ويجوز أن يكون مستأنفا إِلَيْهِ الْمَصِيرُ المرجع . 4 - ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ما يخاصم فيها بالتكذيب بها والإنكار لها ، وقد دلّ على ذلك في قوله : وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها ، وحلّ مشكلها ، واستنباط معانيها ، وردّ أهل الزيغ بها ، فأعظم جهاد في سبيل اللّه فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ بالتجارات النافقة والمكاسب المربحة سالمين غانمين فإنّ عاقبة أمرهم إلى العذاب . ثم بيّن كيف ذلك ، فأعلم أنّ الأمم الذين كذّبت قبلهم أهلكت فقال : 5 - كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ نوحا وَالْأَحْزابُ أي الذين تحزبوا
--> ( 1 ) أبو نعيم في الحلية في ترجمة يزيد بن الأصم بتمامه 4 / 97 .