عبد الله بن أحمد النسفي
96
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 65 إلى 67 ] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) للتوبة ، لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ الهالكين في العذاب . 65 - وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ عرفتم فيتعدى إلى مفعول واحد الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ هو مصدر سبتت اليهود إذا عظّمت يوم السبت . وقد اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد ، وذلك أنّ اللّه تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت ، ثم ابتلاهم ، فما كان يبقى حوت « 1 » في البحر إلّا أخرج خرطومه يوم السبت ، فإذا مضى تفرقت ، فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول ، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد ، وكانوا يسدون مشارعها من البحر فيصطادونها يوم الأحد ، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ، فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا بتكويننا إيّاكم قِرَدَةً خاسِئِينَ خبر كان ، أي كونوا جامعين بين القرديّة والخسوء وهو الصّغار والطّرد . 66 - فَجَعَلْناها يعني المسخة نَكالًا عبرة تنكل من اعتبر بها أي تمنعه ، لِما بَيْنَ يَدَيْها لما قبلها ، وَما خَلْفَها وما بعدها من الأمم والقرون لأنّ مسختهم ذكرت في كتب الأولين ، فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين ، وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم ، أو لكلّ متق سمعها . 67 - وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أي واذكروا إذ قال موسى ، وهو معطوف على نعمتي في قوله : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ * « 2 » كأنّه قال اذكروا ذاك واذكروا إذ قال موسى . وكذلك هذا في الظروف التي مضت أي اذكروا نعمتي واذكروا وقت إنجائنا إياكم ، واذكروا وقت فرقنا واذكروا نعمتي ، واذكروا وقت استسقاء موسى ربّه لقومه ، والظروف التي تأتي إلى قوله : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ « 3 » إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ أي بأن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قال المفسرون أول القصة مؤخر في التلاوة وهو قوله تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها « 4 » ، وذلك أنّ
--> ( 1 ) حوت : أي سمك وهو يطلق على السمك الصغير وعلى الكبير ، وعلى الحوت المعروف . ( 2 ) البقرة ، 2 / 40 و 47 . ( 3 ) البقرة ، 2 / 124 . ( 4 ) البقرة ، 2 / 72 .