عبد الله بن أحمد النسفي
78
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
دنياكم ودينكم ، أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فالنظر فيه وما فيه من العجائب الدالة على صانع قادر حكيم عليم ، وما فيه من التذكير بالآخرة ، لأن ملاذها تذكّر ثوابها ، ومكارهها تذكّر عقابها . وقد استدلّ الكرخيّ « 1 » وأبو بكر الرازي « 2 » والمعتزلة بقوله خلق لكم على أنّ الأشياء التي يصحّ أن ينتفع بها خلقت مباحة في الأصل جَمِيعاً نصب على الحال من ما ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ الاستواء : الاعتدال والاستقامة ، يقال استوى العود أي قام واعتدل ، ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل أي قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شيء ، ومنه قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ، أي أقبل وعمد إلى خلق السماوات بعد « 3 » خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر ، والمراد بالسماء جهات العلوّ ، كأنّه قيل ثم استوى إلى فوق ، والضمير في فَسَوَّاهُنَّ مبهم يفسره سَبْعَ سَماواتٍ كقولهم ربّه رجلا ، وقيل الضمير راجع إلى السماء ، ولفظها واحد ومعناها الجمع ، لأنها في معنى الجنس ، ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور أو إتمام خلقهنّ ، وثم هنا لبيان فضل خلق السماوات على خلق الأرض ، ولا يناقض هذا قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها « 4 » لأنّ جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء ، وأما دحوها فمتأخر ، وعن الحسن : خلق اللّه الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ، ثم أصعد الدخان وخلق منها السماوات ، وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض فذلك قوله تعالى : كانَتا رَتْقاً « 5 » وهو الالتزاق وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فمن ثمّ خلقهن خلقا مستويا محكما من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ، « وهو » وأخواته مدني غير ورش « 6 » ، وأبو عمرو وعليّ جعلوا الواو كأنّها من نفس الكلمة فصار بمنزلة عضد ، وهم يقولون
--> ( 1 ) الكرخي : هو أبو الحسن عبيد اللّه بن الحسين ولد عام 260 ه وتوفي عام 340 ه ، انتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق ( الأعلام 4 / 193 ) . ( 2 ) أبو بكر الرازي : هو أحمد بن علي الرازي صاحب الكرخي ولد عام 305 ه ومات عام 370 ه انتهت إليه رئاسة الحنفية ببغداد وعنه أخذ فقهاؤها ( الأعلام 1 / 171 ) . ( 3 ) في ( ز ) بعد ما . ( 4 ) النازعات ، 79 / 30 . ( 5 ) الأنبياء ، 21 / 30 . ( 6 ) ورش : هو عثمان بن سعيد بن عدي المصري من كبار القراء ، غلب عليه لقب ورش لشدة بياضه ، ولد في مصر عام 110 ه وتوفي فيها عام 197 ه ( غاية النهاية 1 / 502 ) . وفي ( ز ) وهو وأخواته مدني غير ورش وهو هو وأبو عمرو وعلي . والتصويب من ( أ ) ومن غاية النهاية ص 99 .