عبد الله بن أحمد النسفي

65

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 22 ] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) أن ينادوا بالآكد الأبلغ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وحّدوه قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كلّ عبادة في القرآن فهو « 1 » توحيد الَّذِي خَلَقَكُمْ صفة موضحة مميزة لأنّهم كانوا يسمون الآلهة أربابا . والخلق إيجاد المعدوم على تقدير واستواء ، وعند المعتزلة إيجاد الشيء على تقدير واستواء ، وهذا بناء على أنّ المعدوم شيء عندهم ، لأنّ الشيء ما صحّ أن يعلم ويخبر عنه عندهم ، وعندنا هو اسم للموجود ، خلقكم بالإدغام أبو عمرو وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ احتجّ عليهم بأنّه خالقهم وخالق من قبلهم لأنّهم مقرّين بذلك ، فقيل لهم إن كنتم مقرّين بأنّه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي اعبدوا على رجاء أن تتقوا ، فتنجوا بسببه من العذاب ، ولعلّ للترجي والإطماع ، ولكنّه إطماع من كريم ، فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه ، وبه قال سيبويه . وقال قطرب « 2 » هو بمعنى كي أي لكي تتقوا . 22 - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ أي صير ، ومحلّ الذي نصب على المدح ، أو رفع بإضمار هو فَرْشاً بساطا تقعدون عليها وتنامون وتتقلبون ، وهو مفعول ثان لجعل وليس فيه دليل على أنّ الأرض مسطّحة أو كريّة إذ الافتراش ممكن على التقديرين وَالسَّماءَ بِناءً سقفا كقوله تعالى : وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً « 3 » وهو مصدر سمّي به المبنيّ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً مطرا « 4 » فَأَخْرَجَ بِهِ بالماء ، نعم خروج الثمرات بقدرته ومشيئته وإيجاده ، ولكن جعل الماء سببا في خروجها ، كماء الفحل في خلق الولد ، وهو قادر على إنشاء الكلّ بلا سبب كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد ، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجا لها من حال إلى حال وناقلا من مرتبة إلى مرتبة ، حكما وعبرا للنظّار « 5 » بعيون الاستبصار ، ومن في مِنَ الثَّمَراتِ للتبعيض أو للبيان رِزْقاً مفعول له إن كانت للتبعيض « 6 » ، ومفعول به لأخرج إن كانت للبيان ، وإنّما قيل الثمرات دون الثمر والثّمار وإن كان الثمر المخرج بماء السماء

--> ( 1 ) في ( ز ) فهي . ( 2 ) قطرب : هو محمد بن المستنير بن أحمد ، أبو علي الشهير بقطرب ، نحوي عالم بالأدب واللغة كان يرى رأي المعتزلة النظامية ، له مؤلفات توفي عام 206 ه ( الأعلام 7 / 95 ) . ( 3 ) الأنبياء : 21 / 32 . ( 4 ) في ( ظ ) مطهرا . ( 5 ) في ( ظ ) للناظر . ( 6 ) في ( ز ) إن كانت من للتبعيض .