عبد الله بن أحمد النسفي
57
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 16 إلى 17 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) 16 - أُولئِكَ مبتدأ وخبره الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أي استبدلوها « 1 » به واختاروها عليه ، وإنّما قال اشتروا الضّلالة بالهدى ولم يكونوا على هدى لأنّها في قوم آمنوا ثمّ كفروا ، أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمد صلى اللّه عليه وسلم « 2 » ، فلمّا جاءهم كفروا به ، أو « 3 » جعلوا لتمكنهم منه ، كأنّ الهدى قائم فيهم فتركوه بالضلالة ، وفيه دليل على جواز البيع تعاطيا ، لأنّهم لم يتلفّظوا بلفظ الشراء ولكن تركوا الهدى بالضّلالة « 4 » عن اختيار « 5 » ، وسمّى ذلك شراء فصار دليلا لنا على أنّ من أخذ شيئا من غيره وترك عليه عوضه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلّم به ، والضّلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء ، يقال ضلّ منزله فاستعير للذّهاب عن الصّواب في الدّين فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ الرّبح الفضل على « 6 » رأس المال ، والتجارة صناعة التاجر ، وهو الذي يبيع ويشتري للربح ، وإسناد الرّبح إلى التجارة من الإسناد المجازي ، ومعناه فما ربحوا في تجارتهم إذ التجارة لا تربح ، ولما وقع شراء الضّلالة بالهدى مجازا أتبعه ذكر الرّبح والتجارة ترشيحا له كقوله : ولما رأيت النسر عزّ ابن دأية * وعشّش في وكريه جاش له صدري « 7 » لمّا شبّه الشّيب بالنّسر ، والشعر الفاحم بالغراب أتبعه ذكر التعشيش والوكر وَما كانُوا مُهْتَدِينَ لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر . والمعنى أنّ مطلوب التجار سلامة رأس المال والربح ، وهؤلاء قد أضاعوهما ، فرأس مالهم الهدى ولم يبق لهم مع الضلالة ، وإذا لم يبق لهم إلا الضّلالة لم يوصفوا بإصابة الرّبح وإن ظفروا بالأغراض الدّنيوية ، لأنّ الضّالّ خاسر ، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله قد ربح ، وقيل الذين صفة أولئك ، وفما ربحت تجارتهم إلى آخر الآية في محل الرفع خبر أولئك . 17 - مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب
--> ( 1 ) في ( ظ ) ابتدلوها . ( 2 ) في ( ظ ) عليه الصلاة والسلام . ( 3 ) في ( ظ ) وجعلوا . ( 4 ) في ( أ ) بالضالة . ( 5 ) ليس في ( ظ ) عن اختيار ، وفي ( ز ) قال : اختيارهم . ( 6 ) في ( ظ ) عن . ( 7 ) ابن دأية : الغراب .