عبد الله بن أحمد النسفي
52
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 9 ] يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) 9 - يُخادِعُونَ اللَّهَ أي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » فحذف المضاف كقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 2 » كذا قاله أبو علي « 3 » رحمه اللّه وغيره ، أي يظهرون غير ما في أنفسهم ، فالخداع إظهار غير ما في النّفس ، وقد رفع اللّه منزلة النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم حيث جعل خداعه خداعه ، وهو كقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ « 4 » وقيل معناه يخادعون اللّه في زعمهم ، لأنّهم يظنون أنّ اللّه تعالى « 5 » ممن يصح خداعه ، وهذا المثال يقع كثيرا لغير اثنين نحو قولك عاقبت اللص ، وقد قرئ يخدعون اللّه ، وهو بيان ليقول ، أو مستأنف ، كأنّه قيل ولم يدّعون الإيمان كاذبين وما منفعتهم في ذلك ، فقيل يخادعون اللّه ومنفعتهم في ذلك متاركتهم عن المحاربة التي كانت مع من سواهم من الكفّار ، وإجراء أحكام المؤمنين عليهم ، ونيلهم من الغنائم وغير ذلك ، قال صاحب الوقوف « 6 » : الوقف لازم على بمؤمنين ، لأنّه لو وصل لصار التقدير وما هم بمؤمنين مخادعين ، فينتفي الوصل ، كقولك ما هو برجل كاذب ، والمراد نفي الإيمان عنهم وإثبات الخداع لهم . ومن جعل يخادعون حالا من الضمير في يقول ، والعامل فيها يقول ، والتقدير يقول آمنا باللّه مخادعين ، أو حالا من الضمير في بمؤمنين ، والعامل فيها اسم الفاعل ، والتقدير وما هم بمؤمنين في حال خداعهم لا يقف ، والأول الوجه « 7 » : وَالَّذِينَ آمَنُوا أي يخادعون رسول اللّه والمؤمنين بإظهار الإيمان وإضمار الكفر وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أي وما يعاملون تلك المعاملة المشبّهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم ، لأنّ ضررها يلحقهم ، وحاصل خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم ، فكأنّهم خدعوا أنفسهم ، وما يخادعون أبو عمرو « 8 » ونافع ومكي للمطابقة ، وعذر الأولين أنّ خدع وخادع هنا بمعنى واحد ، والنفس ذات
--> ( 1 ) ليست في ( ظ ) و ( ز ) . ( 2 ) يوسف ، 12 / 82 . ( 3 ) أبو علي : هو إسماعيل بن شعيب ويكنى أبا علي النهاوندي ، مقرئ مشهور ، فقيه توفي سنة 350 ه ( غاية النهاية 1 / 164 ) . ( 4 ) الفتح ، 48 / 10 . ( 5 ) ليست في ( ظ ) و ( ز ) . ( 6 ) صاحب الوقوف : هو هلال بن يحيى أخذ العلم عن أبي يوسف وزفر ، وله كتاب الشروط ، وكتاب أحكام الوقوف ، توفي عام 245 ه ( الأعلام 8 / 92 ) . ( 7 ) في ( ز ) والوجه الأول . ( 8 ) أبو عمرو : هو عثمان بن سعيد بن عثمان ، أبو عمرو الداني من الأئمة في علوم القرآن ورواياته وتفسيره ولد عام 371 ه ومات عام 444 ه وله مؤلفات ( الأعلام 4 / 206 ) .