عبد الله بن أحمد النسفي
47
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 6 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) ونحوه هو « 1 » على الحقّ وعلى الباطل ، وقد صرّحوا بذلك في قولهم : جعل الغواية مركبا وامتطى الجهل واقتعد غارب الهوى . ومعنى هدى مِنْ رَبِّهِمْ أي أوتوه من عنده ، ونكّر هدى ليفيد ضربا مبهما لا يبلغ كنهه ، كأنّه قيل على أي هدى ، ونحوه لقد وقعت على لحم أي على « 2 » لحم عظيم وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الظافرون بما طلبوا ، الناجون عما هربوا ، فالفلاح درك البغية ، والمفلح « 3 » الفائز بالبغية ، كأنّه الذي انفتحت له وجوه الظّفر ، والتركيب دال على معنى الشّقّ والفتح ، وكذا أخواته في الفاء والعين ، نحو فلق وفلز وفلى ، وجاء بالعطف « 4 » هنا بخلاف قوله : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ « 5 » لاختلاف الخبرين المقتضيين للعطف هنا واتحاد الغفلة والتشبيه بالبهائم ثمة « 6 » ، فكانت الثانية مقررة للأولى فهي من العطف بمعزل ، وهم فصل ، وفائدته الدّلالة على أنّ الوارد بعده خبر لا صفة ، والتوكيد ، وإيجاب « 7 » أنّ فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره ، أو هو مبتدأ والمفلحون خبره والجملة خبر أولئك ، فانظر كيف كرر « 8 » اللّه عزّ وجلّ التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتّى ، وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره ، ففيه تنبيه على أنّهم كما ثبت لهم الأثرة بالهدى فهي ثابتة لهم بالفلاح ، وتعريف المفلحين « 9 » ، ففيه دلالة على أنّ المتقين هم النّاس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة ، كما إذا بلغك أنّ إنسانا قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو فقيل زيد التائب أي هو الذي أخبرت بتوبته ، وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك ليبصرك مراتبهم ، ويرغّبك في طلب ما طلبوا ، وينشّطك لتقديم ما قدموا . اللهم زيّنا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدّرت بذكرهم سورة البقرة . لما قدّم ذكر أوليائه بصفاتهم المقربة إليه وبيّن أنّ الكتاب هدى لهم قفّى على أثره بذكر أضدادهم وهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى بقوله : 6 - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الكفر ستر الحقّ بالجحود ، والتركيب دال على السّتر ولذا سمي الذراع « 10 » كافرا ، وكذا الليل ، ولم يأت بالعاطف هنا كما في قوله : إِنَّ
--> ( 1 ) ليست في ( ظ ) . ( 2 ) ليس في ( ظ ) أي على . ( 3 ) في ( ظ ) والمنسه ، وهو خطأ من الناسخ . ( 4 ) في ( ظ ) بالعاطف ، وفي ( ز ) العطف . ( 5 ) الأعراف ، 7 / 179 . ( 6 ) في ( ز ) ثم . ( 7 ) سقط من ( ظ ) والتوكيد ، وإيجاب . ( 8 ) في ( ز ) قرر . ( 9 ) في ( ز ) المفلحون . ( 10 ) في ( ز ) الزراع .