عبد الله بن أحمد النسفي
444
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 112 إلى 115 ] إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 112 ) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 113 ) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 114 ) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 115 ) 112 - إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ أي اذكروا إذ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عيسى نصب على اتباع حركته حركة الابن نحو يا زيد بن عمرو هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ هل يفعل ، أو هل يطيعك ربّك إن سألته ، فاستطاع وأطاع ، بمعنى كاستجاب وأجاب . هل تستطيع ربّك على أي هل تستطيع سؤال ربّك فحذف المضاف ، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا ينزل مكي وبصري مائِدَةً مِنَ السَّماءِ هي الخوان إذا كان عليه الطعام ، من مادة إذا أعطاه ، كأنها تميد من تقدّم إليه « 1 » قالَ اتَّقُوا اللَّهَ في اقتراح المعجزات بعد ظهور الآيات « 2 » إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إذ الإيمان يوجب التقوى . 113 - قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها تبركا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونزداد يقينا كقول إبراهيم عليه السّلام وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي « 3 » وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا أي نعلم صدقك عيانا كما علمناه استدلالا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ بما عاينا لمن بعدنا . ولما كان السؤال لزيادة العلم لا للتعنت : 114 - قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ أصله يا اللّه فحذف يا وعوّض منه الميم رَبَّنا نداء ثان أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً أي يكون يوم نزولها عيدا ، قيل هو يوم الأحد ومن ثمّ اتخذه النصارى عيدا ، أو العيد : السرور العائد ، ولذا يقال يوم عيد ، فكان معناه تكون لنا سرورا وفرحا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا بدل من لنا بتكرير العامل ، أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا ، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم ، أو للمتقدمين منّا والأتباع وَآيَةً مِنْكَ على صحة نبوّتي ، ثم أكد ذلك بقوله وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ واعطنا ما سألناك وأنت خير المعطين . 115 - قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ بالتشديد مدني وشامي وعاصم ، وعد
--> ( 1 ) في ( ز ) إليها . ( 2 ) في ( ز ) الآيات بعد ظهور المعجزات . ( 3 ) البقرة ، 2 / 260 .