عبد الله بن أحمد النسفي
438
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 98 إلى 101 ] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) 98 - اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن استخفّ بالحرم والإحرام وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لآثام من عظّم المشاعر العظام رَحِيمٌ بالجاني الملتجئ إلى البلد الحرام . 99 - ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ تشديد في إيجاب القيام بما أمر به ، وأنّ الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ ، وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ فلا يخفى عليه نفاقكم ووفاقكم . 100 - قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ لما أخبر أنّه يعلم ما يبدون وما يكتمون ذكر أنّه لا يستوي خبيثهم وطيبهم بل يميز بينهما ، فيعاقب الخبيث أي الكافر ، ويثيب الطيب أي المسلم وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ واثروا الطيّب وإن قلّ على الخبيث وإن كثر ، وقيل هو عام في حلال المال وحرامه ، وصالح العمل وطالحه ، وجيّد الناس ورديئهم يا أُولِي الْأَلْبابِ أي العقول الخالصة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . كانوا يسألون النبي صلى اللّه عليه وسلم عن أشياء امتحانا فنزل : 101 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ قال الخليل وسيبويه وجمهور البصريين أصله شيئاء بهمزتين بينهما ألف ، وهي فعلاء من لفظ شيء وهمزتها الثانية للتأنيث ولذا لم تنصرف كحمراء ، وهي مفردة لفظا جمع معنى ، ولما استثقلت الهمزتان المجتمعتان قدّمت الأولى التي هي لام الكلمة فجعلت قبل الشين فصار وزنها لفعاء ، والجملة الشرطية والمعطوفة عليها أي قوله إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ صفة لأشياء ، أي وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما دام الرسول بين أظهركم تبد لكم تلك التكاليف التي تسوؤكم ، أي تغمّكم وتشقّ عليكم وتؤمرون بتحمّلها فتعرّضون أنفسكم لغضب اللّه بالتفريط فيها عَفَا اللَّهُ عَنْها عفا اللّه عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ لا يعاقبكم إلّا بعد الإنذار .