عبد الله بن أحمد النسفي

436

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

صورة إجماعا ، فلم يبق غيرها مرادا ، إذ لا عموم للمشترك ، فإن قلت : قوله من النّعم ينافي تفسير المثل بالقيمة قلت : من أوجب القيمة خيّر بين أن يشتري بها هديا أو طعاما أو يصوم كما خيّر اللّه تعالى في الآية ، فكان من النّعم بيانا للهدي المشترى بالقيمة في أحد وجوه التخيير ، لأنّ من قوّم الصيد واشترى بالقيمة هديا فأهداه فقد جزى بمثل ما قتل من النّعم ، على أنّ التخيير الذي في الآية بين أن يجزي بالهدي أو يكفّر بالطعام أو الصوم إنما يستقيم إذا قوّم ونظر بعد التقويم أيّ الثلاثة يختار ، فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير فإذا كان شيئا لا نظير له قوّم حينئذ ، ثم يخيّر بين الطعام والصيام ففيه نبو عما في الآية ألا ترى إلى قوله : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أو عدل ذلك صياما ، كيف خير بين الأشياء الثلاثة ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم هَدْياً حال من الهاء في به ، أي يحكم به في حال الهدي بالِغَ الْكَعْبَةِ صفة لهديا لأنّ إضافته غير حقيقية ، ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم ، فأما التصدّق به فحيث شئت ، وعند الشافعي رحمه اللّه في الحرم أَوْ كَفَّارَةٌ معطوف على جزاء طَعامُ بدل من كفارة ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أي هي طعام ، أو كفارة طعام على الإضافة مدني وشامي ، وهذه الإضافة لتبيين المضاف كأنه قيل أو كفارة من طعام مَساكِينَ كما تقول خاتم فضة أي خاتم من فضة أَوْ عَدْلُ وقرئ بكسر العين ، قال الفراء العدل ما عادل الشيء من غير جنسه كالصوم والإطعام والعدل مثله من جنسه ومنه عدلا الحمل ، يقال عندي غلام عدل غلامك بالكسر إذا كان من جنسه ، فإن أريد أنّ قيمته كقيمته ولم يكن من جنسه قيل هو عدل غلامك بالفتح ذلِكَ إشارة إلى الطعام صِياماً تمييز نحو لي مثله رجلا ، والخيار في ذلك إلى القاتل ، وعند محمد رحمه اللّه إلى الحكمين لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ متعلق بقوله فجزاء ، أي فعليه أن يجازي أو يكفّر ليذوق سوء عقاب عاقبة هتكه لحرمة الإحرام ، والوبال : المكروه والضرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله « 1 » عليه ، من قوله تعالى : فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا « 2 » أي ثقيلا شديدا ، والطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ لكم من الصيد قبل التحريم وَمَنْ عادَ إلى قتل الصيد بعد التحريم ، أو في ذلك الإحرام فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بالجزاء ، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم اللّه منه وَاللَّهُ عَزِيزٌ بإلزام الأحكام ذُو انْتِقامٍ لمن جاوز حدود الإسلام .

--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) من عمل سوءا لثقله . ( 2 ) المزمل ، 73 / 16 .