عبد الله بن أحمد النسفي

431

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 87 إلى 88 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 87 ) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 88 ) 87 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ما طاب ولذّ من الحلال ، ومعنى لا تحرّموا لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم ، أو لا تقولوا حرّمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا . وروي أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوذ ، وكان يعجبه الحلواء والعسل ، وقال : ( إن المؤمن حلو يحب الحلاوة ) « 1 » وعن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السّبخي « 2 » وأصحابه ، فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك ، فاعتزل فرقد ناحية ، فسأل الحسن أهو صائم ؟ قالوا لا ولكنه يكره هذه الألوان ، فأقبل الحسن عليه وقال يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البرّ بخالص السمن يعيبه مسلم ؟ وعنه أنه قيل له فلان لا يأكل الفالوذ ويقول لا أؤدّي شكره ، فقال : أفيشرب الماء البارد ؟ قالوا : نعم ، قال : إنه جاهل أنّ نعمة اللّه عليه في الماء البارد أكبر من نعمته عليه في الفالوذ وَلا تَعْتَدُوا ولا تجاوزوا الحدّ الذي حدّ عليكم في تحليل أو تحريم ، أو ولا تتعدوا حدود ما أحلّ لكم إلى ما حرّم عليكم ، أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ حدوده . 88 - وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً حلالا حال مما رزقكم اللّه وَاتَّقُوا اللَّهَ تأكيد « 3 » للتوصية بما أمر به ، وزاده تأكيدا « 4 » بقوله الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ لأنّ الإيمان به يوجب التقوى فيما أمر به ونهى .

--> ( 1 ) هذا منتزع من أحاديث ، أما أكل الدجاج فمتفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري في قصة له ، وأما أكله الفالوذ فرواه الحاكم من حديث عبد اللّه بن سلام ، وأما كان يعجبه الحلواء والعسل فمتفق عليه من حديث همام عن أبيه عن عائشة رضي اللّه عنها ، وأما إن المؤمن حلو يحب الحلاوة فذكره الديلمي في الفردوس عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . ( 2 ) فرقد السّبخي : فرقد بن يعقوب ، أبو يعقوب السّبخي العابد من أهل أرمينيا انتقل إلى البصرة وسكنها ينسب إلى سبخة كان يأويها ، يروي عن الحسن - البصري - وسعيد بن جبير روى عنه العراقيون ، مات قبل الطاعون وكان ذلك قبل سنة 131 ه ، في ( أ ) و ( ظ ) و ( ز ) السنجي والتصويب من الأنساب 3 / 212 . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) توكيد . ( 4 ) في ( ز ) توكيدا .