عبد الله بن أحمد النسفي

404

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 25 إلى 26 ] قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 ) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 ) كذلك إذ لو قالوا ذلك اعتقادا وكفروا به لحاربهم موسى ولم تكن مقاتلة الجبارين أولى من مقاتلة هؤلاء ، ولكن الوجه فيه أن يقال فاذهب أنت وربّك يعينك على قتالك ، أو وربّك أي وسيدك وهو أخوك الأكبر هارون ، أو لم يرد به حقيقة الذهاب ولكن كما تقول كلمته فذهب يجيبني تريد معنى الإرادة ، كأنهم قالوا أريدا قتالهم فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم ، فلما عصوه وخالفوه : 25 - قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ لنصرة دينك إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي وهو منصوب بالعطف على نفسي ، أو على اسم إن أي إني لا أملك إلا نفسي وإنّ أخي لا يملك إلا نفسه ، أو مرفوع بالعطف على محل إنّ واسمها ، أو على الضمير في لا أملك ، وجاز للفصل أي ولا يملك أخي إلا نفسه ، أو هو مبتدأ والخبر محذوف ، أي وأخي كذلك ، وهذا من البثّ والشكوى إلى اللّه ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النّصرة ، وكأنه لم يثق بالرجلين المذكورين كلّ الوثوق فلم يذكر إلّا النبي المعصوم ، أو أراد ومن يؤاخيني على ديني فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا وتحكم عليهم بما هم أهله ، وهو في معنى الدعاء عليهم ، أو فباعد بيننا وبينهم وخلّصنا من صحبتهم كقوله : وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ « 1 » . 26 - قالَ فَإِنَّها أي الأرض المقدسة مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ لا يدخلونها ، وهو تحريم منع لا تحريم تعبد كقوله : وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ « 2 » والمراد بقوله : كتب اللّه لكم أي بشرط أن تجاهدوا أهلها ، فلما أبوا الجهاد قيل فإنّها محرمة عليهم ، أو المراد فإنّها محرمة عليهم أَرْبَعِينَ سَنَةً فإذا مضى الأربعون كان ما كتب ، فقد سار موسى عليه السّلام بمن بقي من بني إسرائيل ، وكان يوشع على مقدمته ، ففتحها وأقام فيها ما شاء اللّه ثم قبض . وأربعين ظرف التحريم ، والوقف على سنة ، أو ظرف يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أي يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقا أربعين سنة ، والوقف على عليهم ، وإنما عوقبوا بالحبس لاختيارهم المكث ، فكانوا مع شدة سيرهم يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في ستة فراسخ ، ولما ندم على

--> ( 1 ) التحريم ، 66 / 11 . ( 2 ) القصص ، 28 / 12 .