عبد الله بن أحمد النسفي

352

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 88 إلى 89 ] فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 88 ) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 89 ) ومعناه اللّه واللّه ليجمعنّكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي ليحشرنّكم إليه ، والقيامة والقيام كالطلابة والطّلاب ، وهي قيامهم من القبور ، أو قيامهم للحساب يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » لا رَيْبَ فِيهِ هو حال من يوم القيامة ، والهاء يعود إلى اليوم ، أو صفة لمصدر محذوف أي جمعا لا ريب فيه ، والهاء يعود إلى الجمع وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً تمييز ، وهو استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه في إخباره ووعده ووعيده لاستحالة الكذب عليه ، لقبحه لكونه إخبارا عن الشيء بخلاف ما هو عليه . 88 - فَما لَكُمْ مبتدأ وخبر فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ أي ما لكم اختلفتم في شأن قوم قد نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيهم فرقتين ، وما لكم لم تقطعوا القول بكفرهم ، وذلك أنّ قوما من المنافقين استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلّين باجتواء « 2 » المدينة ، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين ، فاختلف المسلمون فيهم ، فقال بعضهم : هم كفار ، وقال بعضهم : هم مسلمون . وفئتين حال كقولك ما لك قائما ، قال سيبويه إذا قلت ما لك قائما فمعناه لم قمت ونصبه على تأويل أي شيء يستقرّ لك في هذه الحالة « 3 » وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ ردّهم إلى حكم الكفار بِما كَسَبُوا من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين ، فردوهم أيضا ولا تختلفوا في كفرهم أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا أن تجعلوا من جملة المهتدين مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ من جعله اللّه ضالا ، أو أتريدون أن تسمّوهم مهتدين وقد أظهر اللّه ضلالهم فيكون تعييرا لمن سمّاهم مهتدين ، والآية تدلّ على مذهبنا في إثبات الكسب للعبد والخلق للربّ جلّت قدرته وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا طريقا إلى الهداية . 89 - وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا والكاف نعت لمصدر محذوف ، وما مصدرية ، أي ودوا لو تكفرون كفرا مثل كفرهم فَتَكُونُونَ عطف على تكفرون سَواءً أي مستوين أنتم وهم في الكفر فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ

--> ( 1 ) المطففين ، 83 / 6 . ( 2 ) معتلين باجتواء المدينة أي كراهتهم المقام فيها . ( 3 ) في ( ز ) الحال .