عبد الله بن أحمد النسفي
307
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 4 ] وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ( 4 ) تكثر عيالكم ، واعترضوا عليه بأنّه يقال فيه « 1 » أعال يعيل إذا كثر عياله ، وأجيب بأن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم ، كقولك مانّهم يمونهم إذا أنفق عليهم ، لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال . وكلام مثله من أعلام العلم حقيق بالحمل على السداد وأن لا يظنّ به تحريف تعيلوا إلى تعولوا كأنّه سلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات . 4 - وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ مهورهنّ نِحْلَةً من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه ، نحلة ونحلا ، وانتصابها على المصدر لأنّ النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء ، فكأنّه قال وانحلوا النساء صدقاتهنّ نحلة ، أي أعطوهنّ مهورهنّ عن طيبة أنفسكم ، أو على الحال من المخاطبين ، أي آتوهنّ صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء ، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس ، وقيل نحلة من اللّه تعالى عطية من عنده وتفضلا منه عليهن ، وقيل النحلة الملّة وفلان ينتحل كذا أي يدين به ، يعني وآتوهن مهورهنّ ديانة على أنّها مفعول لها ، والخطاب للأزواج ، وقيل للأولياء ، لأنّهم كانوا يأخذون مهور بناتهم « 2 » فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ للأزواج عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ أي من الصداق إذ هو في معنى الصدقات نَفْساً تمييز ، وتوحيدها لأنّ الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه ، والمعنى فإن وهبن لكم شيئا من الصداق « 3 » وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهنّ إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم ، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس فقيل فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ولم يقل فإن وهبن « 4 » إعلاما بأنّ المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة فَكُلُوهُ الهاء يعود على شيء هَنِيئاً لا إثم فيه مَرِيئاً لا داء فيه ، فسرهما النبي عليه السّلام ، أو هنيئا في الدنيا بلا مطالبة مريئا في العقبى بلا تبعة ، وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وهما وصف مصدر أي أكلا هنيئا مريئا ، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء ، وهذه عبارة عن المبالغة في الإباحة وإزالة التبعة . هنيا مريا بغير همز يزيد وكذا حمزة في الوقف ، وهمزهما الباقون ، وعن علي رضي اللّه عنه إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم ليشتر بها
--> ( 1 ) ليست في ( ظ ) و ( ز ) . ( 2 ) في ( ظ ) بناتهن . ( 3 ) في ( ز ) الصدقات . ( 4 ) زاد في ( ز ) لكم .