عبد الله بن أحمد النسفي

292

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 174 إلى 176 ] فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 ) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 176 ) نعيم إِيماناً بصيرة وإيقانا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ كافينا اللّه ، أي الذي يكفينا اللّه ، يقال أحسبه الشيء إذا كفاه ، وهو بمعنى المحسب بدليل أنّك تقول هذا رجل حسبك فتصف به النكرة لأنّ إضافته غير حقيقية لكونه في معنى اسم الفاعل وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ونعم الموكول إليه هو . 174 - فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وهي السلامة وحذر العدوّ منهم وَفَضْلٍ وهو الربح في التجارة فأصابوا بالدرهم درهمين لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ لم يلقوا ما يسوؤهم من كيد عدوّ ، وهو حال من الضمير في انقلبوا ، وكذا بنعمة والتقدير فرجعوا من بدر منعمين بريئين من سوء وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ بجرأتهم وخروجهم إلى وجه العدوّ على أثر تثبيطه ، وهو معطوف على انقلبوا وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ قد تفضّل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا . 175 - إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ هو خبر ذلكم أي إنّما ذلكم المثبّط هو الشيطان وهو نعيم يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ أي المنافقين ، وهو جملة مستأنفة بيان لشيطنته ، أو الشيطان صفة لاسم الإشارة ويخوف الخبر فَلا تَخافُوهُمْ أي أولياءه وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لأنّ الإيمان يقتضي أن يؤثر العبد خوف اللّه على خوف غيره ، وخافوني في الوصل والوقف سهل ويعقوب ، وافقهما أبو عمرو في الوصل . 176 - وَلا يَحْزُنْكَ يحزنك في كلّ القرآن نافع إلا في سورة الأنبياء لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ « 1 » الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يعني لا يحزنوك لخوف أن يضرّوك ، ألا ترى إلى قوله إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً أي أولياء اللّه ، يعني أنهم لا يضرّون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم وما وبال ذلك عائدا على غيرهم ، ثم بيّن كيف يعود وباله عليهم بقوله يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ أي نصيبا من الثواب وَلَهُمْ بدل الثواب عَذابٌ عَظِيمٌ وذلك أبلغ ما ضرّ به الإنسان نفسه ،

--> ( 1 ) الأنبياء ، 21 / 103 .