عبد الله بن أحمد النسفي
276
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 140 إلى 141 ] إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 ) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) لَهُمُ الْغالِبُونَ « 1 » أو وأنتم الأعلون شأنا ، لأنّ قتالكم للّه ولإعلاء كلمته وقتالهم للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر ، أو لأنّ قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ متعلق بالنهي ، أي ولا تهنوا إن صح إيمانكم ، يعني أنّ صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بوعد اللّه وقلة المبالاة بأعدائه ، أو بالأعلون ، أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم اللّه به ويبشركم من الغلبة . 140 - إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ بضم القاف حيث كان كوفي غير حفص ، وبفتح القاف غيرهم ، وهما لغتان كالضعف والضعف ، وقيل بالفتح الجراحة وبالضّم ألمها فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ أي إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يمنعهم عن معاودتكم إلى القتال ، فأنتم أولى أن لا تضعفوا وَتِلْكَ مبتدأ الْأَيَّامُ صفته والخبر نُداوِلُها نصرّفها بَيْنَ النَّاسِ أي نصرّف ما فيها من النعم والنّقم ، نعطي لهؤلاء تارة وطورا لهؤلاء ، كبيت الكتاب . فيوما علينا ويوما لنا * ويوما نساء ويوما نسرّ « 2 » وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي نداولها لضروب من التدبير ، وليعلم اللّه المؤمنين مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم كما علمهم قبل الوجود وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وليكرم ناسا منكم بالشهادة ، يريد المستشهدين يوم أحد ، أو ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة من قوله : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ « 3 » وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ اعتراض بين بعض التعليل وبعض ، ومعناه واللّه لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون . 141 - وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا التمحيص : التطهير والتصفية وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ويهلكهم ، يعني إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص ، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم .
--> ( 1 ) الصافات ، 37 / 173 . ( 2 ) لم أجد أصله . ( 3 ) البقرة ، 2 / 143 .