عبد الله بن أحمد النسفي
268
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 120 إلى 121 ] إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) من ذلك وهو ما أضمروه في صدورهم . 120 - إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ رخاء وخصب وغنيمة ونصرة تَسُؤْهُمْ تحزنهم إصابتها وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ أضداد ما ذكرنا ، والمسّ مستعار من الإصابة فكأنّ المعنى واحد ، ألا ترى إلى قوله تعالى : إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ « 1 » يَفْرَحُوا بِها بإصابتها وَإِنْ تَصْبِرُوا على عداوتهم وَتَتَّقُوا ما نهيتم عنه من موالاتهم ، أو وإن تصبروا على تكاليف الدّين ومشاقّه وتتقوا اللّه في اجتنابكم محارمه لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً مكرهم ، وكنتم في « 2 » اللّه ، وهذا تعليم من اللّه وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدوّ بالصبر والتقوى ، وقال الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك . لا يضرّكم مكي وبصري ونافع من ضاره يضيره بمعنى ضرّه وهو واضح ، والمشكل قراءة غيرهم لأنّه جواب الشرط ، وجواب الشرط مجزوم ، فكان ينبغي أن يكون بفتح الراء كقراءة المفضّل عن عاصم إلا أنّ ضمة الراء لاتباع ضمة الضاد نحو مدّ يا هذا إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بالتاء سهل ، أي من الصبر والتقوى وغيرهما مُحِيطٌ ففاعل بكم ما أنتم أهله ، وبالياء غيره أي أنّه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه . 121 - وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ واذكر يا محمد إذ خرجت « 3 » من أهلك بالمدينة ، والمراد غدوه من حجرة عائشة رضي اللّه عنها إلى أحد تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ تنزلهم ، وهو حال مَقاعِدَ لِلْقِتالِ مواطن ومواقف من الميمنة والميسرة والقلب والجناحين والسّاقة ، وللقتال يتعلق بتبوئ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وضمائركم . روي أنّ المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصحابه ، ودعا عبد اللّه بن أبيّ « 4 » فاستشاره ، فقال أقم بالمدينة فما خرجنا على عدوّ قط إلّا أصاب منّا ، وما دخلوا علينا إلّا أصبنا منهم ، فقال عليه السّلام : ( إني رأيت في
--> ( 1 ) التوبة ، 9 / 50 . ( 2 ) في ( ز ) في حفظ اللّه . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) إذ خرجت غدوة . ( 4 ) عبد اللّه بن أبي بن مالك ، أبو الحباب المشهور بابن سلول ، وسلول جدته لأبيه ، رأس المنافقين في الإسلام ، توفي عام 9 ه ( الأعلام 4 / 65 ) .