عبد الله بن أحمد النسفي
230
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 26 ] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) فِيهِ لا شكّ في كونه « 1 » وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ جزاء ما كسبت وَهُمْ يرجع إلى كلّ نفس على المعنى لأنّه في معنى كلّ الناس لا يُظْلَمُونَ بزيادة في سيئاتهم ونقصان في حسناتهم . 26 - قُلِ اللَّهُمَّ الميم عوض من يا ولذا لا يجتمعان ، وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم ، وبدخول حرف النداء عليه ، وفيه لام التعريف ، وبقطع همزته في يا اللّه ، وبالتفخيم مالِكَ الْمُلْكِ تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملّاك فيما يملكون ، وهو نداء ثان ، أي يا مالك الملك تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له من الملك وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ أن تنزعه « 2 » ، فالملك الأول عام والملكان الآخران خاصّان بعضان من الكلّ . روي أنّه عليه السّلام حين فتح مكّة وعد أمّته ملك فارس والروم ، فقالت اليهود والمنافقون : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم ، هم أعزّ وأمنع من ذلك ، فنزلت « 3 » وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بالملك وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بنزعه منه بِيَدِكَ الْخَيْرُ أي الخير والشرّ ، فاكتفى بذكر أحد الضّدين عن الآخر ، ولأنّ الكلام وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين ، وهو الذي أنكرته الكفرة ، فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك « 4 » إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ولا يقدر على شيء أحد غيرك إلا بإقدارك ، وقيل المراد بالملك ملك العافية أو ملك القناعة . قال عليه السّلام : ( ملوك الجنة من أمتي القانعون بالقوت يوما فيوما ) « 5 » أو ملك قيام الليل ، وعن الشبلي رحمه اللّه « 6 » الاستغناء بالمكوّن عن الكونين تعزّ بالمعرفة ، أو بالاستغناء بالمكوّن أو بالقناعة وتذلّ بأضدادها . ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما ، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر ، وعطف عليه رزقه بغير حساب بقوله :
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) لا شك فيه . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) أي . ( 3 ) ذكر ابن جرير عن قتادة أنه عليه السلام سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فنزلت الآية وذكره الواحدي في أسبابه عن ابن عباس وأنس رضي اللّه عنهما . ( 4 ) في ( ز ) أعداءك . ( 5 ) لم أجده . ( 6 ) سقطت من ( ظ ) و ( ز ) .