عبد الله بن أحمد النسفي

201

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 259 ] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 259 ) وَيُمِيتُ كأنّه قال له : من ربّك ؟ قال : ربّي الذي يحيي ويميت قالَ نمرود أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ يريد أعفي « 1 » عن القتل وأقتل ، فانقطع اللعين بهذا عند المخاصمة ، ولما لبّس اللعين « 2 » فزاد إبراهيم عليه السّلام ما لا يتأتى فيه التلبيس على الضّعفة حيث قالَ إِبْراهِيمُ « 3 » فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ وهذا ليس بانتقال من حجة إلى حجة كما زعم البعض لأنّ الحجة الأولى كانت لازمة تامة « 4 » ، ولكن لما عاند اللعين حجة الإحياء بتخلية واحد وقتل آخر كلّمه من وجه لا يعاند ، وكانوا أهل تنجيم ، وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم ، والحركة الشرقية المحسوسة لنا قسرية كتحريك الماء النمل على الرحى إلى غير جهة حركة النمل ، فقال إنّ ربّي يحرك الشمس قسرا على غير حركتها فإن كنت ربا فحركها بحركتها فهو أهون فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ تحير ودهش وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي لا يوفقهم ، وقالوا إنّما لم يقل نمرود فليأت ربّك بالشمس من المغرب لأنّ اللّه تعالى صرفه عنه ، وقيل إنّه كان يدّعي الربوبية لنفسه وما كان يعترف بالربوبية لغيره ، ومعنى قوله أنا أحيي وأميت أنّ الذي تنسب إليه الإحياء والإماتة أنا لا غيري ، والآية تدل على إباحة التكلّم في علم الكلام والمناظرة فيه ، لأنه قال : ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه . والمحاجّة تكون بين اثنين ، فدل على أنّ إبراهيم حاجّه أيضا ولو لم يكن مباحا لما باشرها إبراهيم عليه السّلام لكون الأنبياء عليهم السّلام معصومين عن ارتكاب الحرام ، ولأنّا أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإيمان باللّه وتوحيده ، وإذا دعوناهم إلى ذلك لا بد أن يطلبوا منّا الدليل على ذلك ، وذا لا يكون إلا بعد المناظرة ، كذا في شرح التأويلات . 259 - أَوْ كَالَّذِي مَرَّ معناه أو أرأيت مثل الذي ، فحذف لدلالة ألم تر عليه ، لأن كلتيهما كلمة تعجيب ، أو هو محمول على المعنى دون اللفظ تقديره أرأيت

--> ( 1 ) في ( ز ) أعفو . ( 2 ) ليس في ( ظ ) و ( ز ) ، ولما لبّس اللعين . ( 3 ) في ( ز ) فصل بين إبراهيم وفإن بعلية السلام . ( 4 ) ليس في ( ظ ) و ( ز ) تامة .