عبد الله بن أحمد النسفي
177
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 224 ] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) تشبيها لما يلقى في أرحامهنّ من النّطف التي منها النسل بالبذور والولد بالنبات ووقع قوله نساؤكم حرث لكم بيانا وتوضيحا لقوله : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ . أي إنّ المأتى الذي أمركم اللّه به هو مكان الحرث لامكان الفرث تنبيها على أنّ المطلوب الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتى الذي نيط به هذا المطلوب فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ جامعوهن متى شئتم ، أو كيف شئتم باركة أو مستلقية أو مضطجعة بعد أن يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث ، وهو تمثيل أي فأتوهنّ كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها « 1 » من أي جهة شئتم لا يحظر عليكم جهة دون جهة وقوله : هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة فعلى كلّ مسلم أن يتأدب بها ويتكلّف مثلها في المحاورات والمكاتبات وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو خلاف ما نهيتكم « 2 » عنه ، أو هو طلب الولد أو التسمية على الوطء وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تجترءوا على المناهي وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ صائرون إليه فاستعدوا للقائه وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالثواب يا محمد ، وإنّما جاء يسألونك ثلاث مرات بلا واو ثم مع الواو ثلاثا لأنّ سؤالهم عن تلك الحوادث الأول كأنّه وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف لأنّ كلّ واحد من السؤالات سؤال مبتدإ ، وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك . 224 - وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ العرضة فعلة بمعنى مفعول كالقبضة ، وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيعترض « 3 » دونه ويصير حاجزا ومانعا منه ، تقول فلان عرضة دون الخير ، وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم ، أو إصلاح ذات بين ، أو إحسان إلى أحد ، أو عبادة ، ثم يقول أخاف اللّه أن أحنث في يميني فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه ، فقيل لهم ولا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم ، أي حاجزا لما حلفتم عليه ، وسمّي المحلوف عليه يمينا لتلبسه « 4 » باليمين كقوله عليه السّلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا
--> ( 1 ) في ( ظ ) تحرثونها . ( 2 ) في ( ز ) نهيتم . ( 3 ) في ( ز ) فيتعرض . ( 4 ) في ( ز ) بتلبسه .