عبد الله بن أحمد النسفي
168
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 211 إلى 212 ] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) 211 - سَلْ أصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين بعد حذفها واستغني عن همزة الوصل فصار سل . وهو أمر للرسول أو لكل أحد ، وهو سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم ، أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام ، وكم استفهامية أو خبرية وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ هي آياته وهي أجلّ نعمة من اللّه لأنّها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة وتبديلهم إياها ، أنّ اللّه أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ « 1 » أو حرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد عليه السّلام مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ من بعد ما عرفها وصحت عنده لأنّه إذا لم يعرفها فكأنّها غائبة عنه فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن استحقه . 212 - زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا المزيّن هو الشيطان زيّن لهم الدّنيا وحسّنها في أعينهم بوساوسه وحبّبها إليهم فلا يريدون غيرها ، أو اللّه تعالى يخلق الشهوات فيهم ، ولأنّ جميع الكائنات منه ، ويدل عليه قراءة من قرأ زيّن للذين كفروا الحياة الدنيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين كابن مسعود وعمار « 2 » وصهيب ونحوهم ، أي لا يريدون غير الدّنيا وهم يسخرون ممن لا حظّ له فيها ، أو ممن يطلب غيرها وَالَّذِينَ اتَّقَوْا عن الشرك وهم هؤلاء الفقراء فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ لأنّهم في جنة عالية وهم في نار وهاوية « 3 » وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير « 4 » ، يعني أنّه يوسّع على من أراد التوسعة عليه كما وسّع على قارون وغيره ، وهذه التوسعة عليكم من اللّه لحكمة وهي استدراجكم بالنعمة ، ولو كانت كرامة لكان المؤمنون أحق بها منكم .
--> ( 1 ) التوبة ، 9 / 125 . ( 2 ) عمار : هو عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي العنسي القحطاني ، أبو اليقظان ، صحابي أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به ، ولد عام 57 ق . ه ومات عام 37 ه ( الأعلام 5 / 36 ) . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) نار هاوية . ( 4 ) في ( ز ) تقتير .