عبد الله بن أحمد النسفي

163

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 199 ] ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 ) فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ عطاء وتفضلا ، وهو النفع والربح بالتجارة والكراء فَإِذا أَفَضْتُمْ دفعتم بكثرة وهو « 1 » من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة ، وأصله أفضتم أنفسكم فترك ذكر المفعول مِنْ عَرَفاتٍ هي علم للموقف سمّي بجمع كأذرعات . وإنّما صرفت لأنّ التاء فيها ليست للتأنيث بل هي مع الألف قبلها علامة جمع المؤنث ، وسميت بذلك لأنّها وصفت لإبراهيم عليه السّلام فلما رآها عرفها . وقيل التقى فيها آدم وحواء فتعارفا ، وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأنّ الإفاضة لا تكون إلا بعده فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات ، أو بصلاة المغرب والعشاء عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ هو قزح ، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة . والمشعر المعلم لأنّه معلم العبادة . ووصف بالحرام لحرمته « 2 » . وسميت المزدلفة جمعا لأنّ آدم عليه السّلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها ، أو لأنّه يجمع فيها بين الصلاتين ، أو لأنّ الناس يزدلفون إلى اللّه تعالى أي يتقربون بالوقوف فيها وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ما مصدرية أو كافة أي اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة ، أو اذكروه كما علّمكم كيف تذكرونه ولا تعدلوا عنه وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ من قبل الهدى لَمِنَ الضَّالِّينَ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه وإن مخففة من الثقيلة ، واللام فارقة . 199 - ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس ولا تكن من المزدلفة . قالوا : هذا أمر لقريش بالإفاضة من عرفات إلى جمع « 3 » وكانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفات ويقولون نحن قطّان حرمه فلا نخرج منه . وقيل الإفاضة من عرفات مذكورة فهي الإفاضة من جمع إلى منى . والمراد بالناس على هذا الحمس « 4 » ويكون الخطاب للمؤمنين وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من مخالفتكم في الموقف ، ونحو ذلك من جاهليتكم ، أو من تقصير « 5 » في

--> ( 1 ) سقط من ( ز ) وهو . ( 2 ) زاد في ( ز ) وقيل المشعر الحرام مزدلفة . ( 3 ) جمع : هو المزدلفة ، وهو قزح ، وهو المشعر الحرام ، سمي جمعا لاجتماع الناس به . ( معجم البلدان 2 / 189 ) . ( 4 ) في ( ز ) الجنس ، وسميت قريش حمسا لتشددهم في دينهم ، والأحمس : الصلب في الدين . ( 5 ) في ( ز ) تقصيركم .