عبد الله بن أحمد النسفي
149
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
عفوت عن فلان إذا صفحت عنه وأعرضت عن أن تعاقبه ، وهو يعدّى « 1 » بعن إلى الجاني وإلى الجناية ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ « 2 » وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ « 3 » وإذا اجتمعا عدّي إلى الأول باللام فتقول عفوت له عن ذنبه ، ومنه الحديث : ( عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق ) « 4 » ، وقال الزجاج : من عفي له أي من ترك له القتل بالدّية ، وقال الأزهري « 5 » : العفو في اللغة الفضل ومنه وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ « 6 » ويقال عفوت لفلان بمالي « 7 » إذا أفضلت له وأعطيته وعفوت له عما لي عليه إذا تركته ، ومعنى الآية عند الجمهور فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو ، على أنّ الفعل مسند إلى المصدر كما في سير بزيد بعض السّير ، والأخ ولي المقتول ، وذكر بلفظ الأخوّة بعثا له على العطف لما بينهما من الجنسية والإسلام ، ومن هو القاتل المعفوّ له عما جنى ، وترك المفعول الآخر استغناء عنه . وقيل أقيم له مقام عنه ، والضمير في له وأخيه لمن ، وفي إليه للأخ أو للمتّبع الدال عليه ، فاتباع ، لأن المعنى فليتّبع الطالب القاتل بالمعروف بأن يطالبه مطالبة جميلة ، وليؤدّ إليه المطلوب أي القاتل بدل الدم أداء بإحسان بأن لا يمطله ولا يبخسه وإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنّه إذا عفي « 8 » عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تمّ العفو وسقط القصاص ، ومن فسّر عفي بترك جعل شيء مفعولا به ، وكذا من فسّره بأعطي يعني أنّ الولي إذا أعطي له شيء من مال أخيه يعني القاتل بطريق الصلح فليأخذه بمعروف من غير تعنيف وليؤدّ « 9 » القاتل إليه بلا تسويف ، وارتفاع اتباع بأنّه خبر مبتدأ مضمر أي فالواجب اتباع ذلِكَ الحكم المذكور من العفو وأخذ الدّية تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فإنّه كان في التوراة القتل لا غير ، وفي الإنجيل العفو بغير بدل لا غير ، وأبيح لنا القصاص والعفو وأخذ المال بطريق الصلح توسعة وتيسيرا . والآية تدلّ على أنّ صاحب الكبيرة مؤمن للوصف بالإيمان بعد وجود القتل ، ولبقاء الأخوّة الثابتة بالإيمان ، ولاستحقاق التخفيف والرحمة فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ التخفيف ، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل ، أو القتل بعد
--> ( 1 ) في ( ز ) يتعدى . ( 2 ) البقرة ، 2 / 52 . ( 3 ) الشورى ، 42 / 25 . ( 4 ) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه . ( 5 ) الأزهري : هو محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي ، أبو منصور ، أحد الأئمة في اللغة والأدب ولد عام 282 ه ومات عام 370 ه ( الأعلام 5 / 311 ) . ( 6 ) البقرة ، 2 / 219 . ( 7 ) في ( ز ) بمال . ( 8 ) في ( ز ) عفا . ( 9 ) في ( ظ ) أن لا .