عبد الله بن أحمد النسفي

145

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 172 إلى 173 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 ) ثان عُمْيٌ عن الحق خبر ثالث فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ الموعظة ، ثم بيّن أنّ ما حرمه المشركون حلال فقال : 172 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ من مستلذاته أو من حلالاته وَاشْكُرُوا لِلَّهِ الذي رزقكموها إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إن صحّ أنّكم تختصونه بالعبادة وتقرون أنّه معطي النعم ، ثم بين المحرّم فقال : 173 - إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وهي كلّ ما فارقه الروح من غير ذكاة مما يذبح ، وإنّما لإثبات المذكور ونفي ما عداه ، أي ما حرّم عليكم إلّا الميتة وَالدَّمَ يعني السائل لقوله في موضع آخر أَوْ دَماً مَسْفُوحاً « 1 » وقد حلت الميتتان والدمان بالحديث « 2 » وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ يعني الخنزير بجميع أجزائه وخصّ اللحم لأنّه المقصود بالأكل وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ذبح للأصنام فذكر عليه غير اسم اللّه ، وأصل الإهلال رفع الصوت ، أي رفع به الصوت للصنم ، وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللّات والعزّى فَمَنِ اضْطُرَّ أي ألجئ - بكسر النون - بصري وحمزة وعاصم لالتقاء الساكنين أعني النون والضاد ، وبضمّها غيرهم لضمة الطاء غَيْرَ حال ، أي أكل غير باغٍ للذة وشهوة وَلا عادٍ متعد مقدار الحاجة . وقول من قال غير باغ على الإمام ، ولا عاد في سفر حرام ضعيف ، لأنّ سفر الطاعة لا يبيح بلا ضرورة ، والحبس بالحضر يبيح بلا سفر ، ولأنّ ببغيه « 3 » لا يخرج عن الإيمان فلا يستحق الحرمان . والمضطر يباح له قدر ما يقع به القوام وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشبع ، لأنّ الإباحة للاضطرار فتقدر « 4 » بقدر ما تندفع الضرورة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في الأكل إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للذنوب الكبائر فأنى يؤاخذ بتناول الميتة عند الاضطرار رَحِيمٌ حيث رخّص ، ونزل في رؤساء اليهود وتغييرهم نعت

--> ( 1 ) الأنعام ، 6 / 145 . ( 2 ) رواه أحمد والشافعي وابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما ، وقد ورد في ( ز ) الحديث بنصه وكتب سماعا على هامش ( أ ) . ( 3 ) في ( ز ) بغيه . ( 4 ) في ( ظ ) فيقتدر .