عبد الله بن أحمد النسفي
127
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 131 إلى 133 ] إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 ) يكون في العقلاء من يرغب عن الحقّ الواضح الذي هو ملّة إبراهيم . والملّة السّنّة والطريقة كذا عن الزّجّاج إِلَّا مَنْ في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب ، وصحّ البدل لأنّ من يرغب غير موجب كقولك هل جاءك أحد إلا زيد ، والمعنى وما يرغب عن ملّة إبراهيم إلّا من سَفِهَ نَفْسَهُ أي جهل نفسه أي لم يفكر في نفسه . فوضع سفه موضع جهل وعدّي كما عدّي ، أو معناه سفه في نفسه فحذف في كما حذف من في قوله : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ « 1 » أي من قومه ، وعلى في قوله : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ « 2 » أي على عقدة النكاح ، والوجهان عن الزّجّاج ، وقال الفرّاء : هو منصوب على التمييز ، وهو ضعيف لكونه معرفة وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ بيان لخطأ رأي من يرغب عن ملّته ، لأنّ من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه . 131 - إِذْ قالَ ظرف لاصطفيناه ، أو انتصب بإضمار اذكر ، كأنّه قيل اذكر ذلك الوقت لتعلم أنّه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملّة مثله لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ أذعن وأطع ، أو أخلص دينك للّه قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي أخلصت أو انقدت . 132 - وَوَصَّى وأوصى مدني وشامي بِها بالملّة أو بالكلمة وهي أسلمت لرب العالمين إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ هو معطوف على إبراهيم داخل في حكمه ، والمعنى ووصى بها يعقوب بنيه أيضا يا بَنِيَّ على إضمار القول إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ أي أعطاكم الدّين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام ووفقكم للأخذ به فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام ، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا ، كقولك لا تصلّ إلّا وأنت خاشع ، فلا تنهاه عن الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته . 133 - أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ أم منقطعة ومعنى الهمزة
--> ( 1 ) الأعراف ، 7 / 155 . ( 2 ) البقرة ، 2 / 235 .