عبد الله بن أحمد النسفي
120
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 115 إلى 116 ] وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) هذا العام مشرك ) « 1 » وقيل معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله تعالى : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ « 2 » لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ قتل وسبي للحربي ، وذلة بضرب الجزية للذمي وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أي النار . 115 - وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي بلاد المشرق والمغرب كلّها له وهو مالكها ومتوليها فَأَيْنَما شرط تُوَلُّوا مجزوم به ، أي ففي أي مكان فعلتم التولية ، يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ * « 3 » والجواب فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي جهته التي أمر بها ورضيها ، والمعنى أنّكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها ، فإنّ التولية « 4 » ممكنة في كلّ مكان إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ أي هو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده وهو عليم بمصالحهم ، وعن ابن عمر « 5 » رضي اللّه عنهما نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت ، وقيل عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا . هو حجة على الشافعي رحمه اللّه فيما إذا استدبر « 6 » ، وقيل فأينما تولوا للدعاء والذكر . 116 - وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً يريد الذين قالوا المسيح ابن اللّه وعزير ابن اللّه ، قالوا شامي ، فإثبات الواو باعتبار أنه قصة معطوفة على ما قبلها ، وحذفه باعتبار أنه استئناف قصة أخرى سُبْحانَهُ تنزيه له عن ذلك وتبعيد بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي هو خالقه ومالكه ومن جملته المسيح وعزير ، والولادة تنافي الملك كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ منقادون لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره ، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه ، أي كلّ ما في السماوات والأرض ، أو كلّ من جعلوه للّه
--> ( 1 ) متفق عليه من رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) الأحزاب ، 33 / 53 . ( 3 ) البقرة ، 2 / 144 و 150 . ( 4 ) في ( ظ ) فإن التولية فيها ممكنة . ( 5 ) ابن عمر : هو عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما ، ولد عام 10 ق . ه وتوفي عام 73 ه ومولده ووفاته بمكة وكان من أئمة الدين ( الأعلام 4 / 108 ) . ( 6 ) إذا استدبر : أي جعل القبلة خلفه .