عبد الله بن أحمد النسفي

110

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 95 إلى 96 ] وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 96 ) هو للجنس ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تقولون لأنّ من أيقن أنّه من أهل الجنّة اشتاق إليها تخلصا « 1 » من الدار ذات الشوائب ، كما نقل عن العشرة المبشرين بالجنة أنّ كلّ واحد منهم كان يحب الموت ويحن إليه . 95 - وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً هو نصب على الظرف أي لن يتمنوه ما عاشوا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بما أسلفوا من الكفر بمحمد عليه السّلام وتحريف كتاب اللّه وغير ذلك ، وهو من المعجزات لأنّه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله : وَلَنْ تَفْعَلُوا « 2 » ولو تمنّوه لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ تهديد لهم . 96 - وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ مفعولا وجد : هم أحرص عَلى حَياةٍ التنكير يدلّ على أنّ المراد حياة مخصوصة وهي « 3 » الحياة المتطاولة ، ولذا كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبيّ على الحياة وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا هو محمول على المعنى لأنّ معنى أحرص الناس أحرص من الناس ، نعم قد دخل الذين أشركوا تحت الناس ولكنهم أفردوا بالذكر لأنّ حرصهم شديد ، كما أنّ جبريل وميكائيل خصّا بالذّكر وإن دخلا تحت الملائكة ، أو أريد وأحرص من الذين أشركوا ، فحذف لدلالة أحرص الناس عليه ، وفيه توبيخ عظيم ، لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلّا الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنّها جنتهم ، فإذا زاد في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ ، وإنّما زاد حرصهم على الذين أشركوا لأنّهم علموا أنّهم صائرون إلى النار لعلهم بحالهم والمشركون لا يعلمون ذلك ، وقوله : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف ، وقيل أراد بالذين أشركوا المجوس لأنّهم كانوا يقولون لملوكهم عش ألف نيروز . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : هو قول الأعاجم زي هزار سال « 4 » . وقيل ومن الذين أشركوا كلام مبتدأ أي ومنهم ناس يود أحدهم على حذف الموصوف ،

--> ( 1 ) في ( أ ) مخلصا . ( 2 ) البقرة ، 2 / 24 . ( 3 ) في ( ز ) وعلى . ( 4 ) أخرجه الطبري من طرق عدة بألفاظ متقاربة منها : هو قول أهل الشرك بعضهم لبعض إذا عطس « زه هزار سال » .