ابن عطية الأندلسي
556
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن مقتد ما ذا تريدون من قوم قرنهم اللّه بنبيه صلى اللّه عليه وسلم وخصهم بمشاهدته وتلقي الوحي منه ؟ وقد أثنى اللّه على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأسره ، فجعله اللّه تعالى في كتابه وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر ، وأين هو من عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه جرد سيفه بمكة وقال : واللّه لا عبد اللّه سرا بعد اليوم . وقرأت فرقة : « رجل » بسكون الجيم ، كعضد وعضد ، وسبع وسبع ، وقراءة الجمهور بضم الجيم واختلف الناس في هذا الرجل ، فقال السدي وغيره : كان من آل فرعون وأهله ، وكان يكتم إيمانه ، ف يَكْتُمُ على هذا في موضع الصفة دون تقديم وتأخير . وقال مقاتل : كان ابن عم فرعون . وقالت فرقة : لم يكن من أهل فرعون . ( وقالت فرقة : لم يكن من أهل فرعون ) . بل من بني إسرائيل ، وإنما المعنى : وقال رجل يكتم إيمانه من آل فرعون ، ففي الكلام تقديم وتأخير ، والأول أصح ، ولم يكن لأحد من بني إسرائيل أن يتكلم بمثل هذا عند فرعون ، ويحتمل أن يكون من غير القبط ، ويقال فيه من آل فرعون ، إذ كان في الظاهر على دينه ومن أتباعه ، وهذا كما قال أراكة الثقفي يرثي أخاه ويتعزى برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : [ الطويل ] فلا تبك ميتا بعد ميت أجنه * علي وعباس وآل أبي بكر يعني المسلمين إذ كانوا في طاعة أبي بكر الصديق . وقوله : أَنْ يَقُولَ مفعول من أجله ، أي لأجل أن يقول : وجلح معهم هذا المؤمن في هذه المقالات ثم غالطهم بعد في أن جعله في احتمال الصدق والكذب ، وأراهم أنها نصيحة ، وحذفت النون من : يَكُ تخفيفا على ما قال سيبويه وتشبيها بالنون في تفعلون وتفعلان على مذهب المبرد ، وتشبيها بحرف العلة الياء والواو على مذهب أبي علي الفارسي وقال : كأن الجازم دخل على « يكن » وهي مجزومة بعد فأشبهت النون الياء من يقضي والواو من يدعو ، لأن خفتها على اللسان سواء . واختلف المتأولون في قوله : يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ فقال أبو عبيدة وغيره : بَعْضُ بمعنى كل ، وأنشدوا قول القطامي عمرو بن شييم : [ البسيط ] قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل وقال الزجاج : هو إلزام الحجة بأيسر ما في الأمر ، وليس فيه نفي إضافة الكل . وقالت فرقة ، أراد : يصبكم بعض العذاب الذي يذكر ، وذلك كاف في هلاككم ، ويظهر إلي أن المعنى : يصبكم القسم الواحد مما يعد به ، وذلك هو بعض ما يعد ، لأنه عليه السلام وعدهم إن آمنوا بالنعيم وإن كفروا بالعذاب فإن كان صادقا فالعذاب بعض ما وعد به . وقالت فرقة : أراد ببعض ما يعدكم عذاب الدنيا ، لأنه بعض عذاب الآخرة ، أي وتصيرون بعد ذلك إلى الباقي وفي البعض كفاية في الإهلاك ، ثم وعظهم هذا المؤمن بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ قال السدي : معناه : مسرف بالقتل . وقال قتادة : مسرف بالكفر .