ابن عطية الأندلسي

551

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

معنى الكلام ، ف مِنْ إما لابتداء الغاية ، وإما بمعنى الباء ، ولا تكون للتبعيض بتة وقرأ أبي بن كعب : وجماعة : « لينذر » بالياء وكسر الذال ، وفي الفعل ضمير يحتمل أن يعود على اللّه تعالى ، ويحتمل أن يعود على الرُّوحَ ، ويحتمل أن يعود على مِنْ في قوله : مَنْ يَشاءُ . وقرأ محمد بن السميفع اليماني : « لينذر » بالياء وفتح الذال ، وضم الميم من « يوم » وجعل اليوم منذرا على الاتساع . وقرأ جمهور الناس : « لتنذر » بالتاء على مخاطبة محمد عليه السلام ، ويوم » بالنصب . وقرأ أبو عمرو ونافع وجماعة : « التلاق » دون ياء . وقرأ أبو عمرو أيضا وعيسى ويعقوب : « التلاقي » بالياء ، والخلاف فيها كالخلاف الذي مر في التَّنادِ [ غافر : 32 ] ، ومعناه : تلاقي جميع العالم بعضهم ببعض ، وذلك أمر لم يتفق قبل ذلك اليوم ، وقال السدي : معناه : تلاقي أهل السماء وأهل الأرض ، وقيل معناه تلاقي الناس مع بارئهم ، وهذا المعنى الأخير هو أشدها تخويفا ، وقيل يلتقي المرء وعمله . وقوله تعالى : يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ معناه في براز من الأرض ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي ، ونصب يَوْمَ على البدل من الأول فهو نصب المفعول ، ويحتمل أن ينصب على الظرف ويكون العامل فيه قوله : لا يَخْفى وهي حركة إعراب لا حركة بناء ، لأن الظرف لا يبنى إلا إذا أضيف إلى غير متمكن كيومئذ ، وكقول الشاعر [ النابغة الذبياني ] : [ الطويل ] على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت ألمّا أصح والشيب وارع وكقوله تعالى : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ [ المائدة : 119 ] وأما في هذه الآية فالجملة أمر متمكن كما تقول : جئت يوم زيد فلا يجوز البناء ، وتأمل . وقوله تعالى : لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ أي من بواطنهم وسرائرهم ودعوات صدورهم ، وفي مصحف أبي بن كعب : « لا يخفى عليه منهم شيء » بضمير بدل المكتوبة . وقوله تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ روي أن اللّه تعالى يقرر هذا التقرير ويسكت العالم هيبة وجزعا ، فيجيب هو نفسه بقوله : لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ قال الحسن بن أبي الحسن هو تعالى السائل وهو المجيب . وقال ابن مسعود : أنه تعالى يقرر فيجيب العالم بذلك ، وقيل ينادي بالتقرير ملك فيجيب الناس . قال القاضي أبو محمد : وإذا تأمل المؤمن أنه لا حول لمخلوق ولا قوة إلا باللّه ، فالزمان كله وأيام الدهر أجمع إنما الملك فيها لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ، لكن ظهور ذلك للكفرة والجهلة يتضح يوم القيامة ، وإذا تأمل تسخير أهل السماوات وعبادتهم ونفوذ القضاء في الأرض فأي ملك لغير اللّه عزّ وجل . ثم يعلم تعالى أهل الموقف بأنه يوم المجازاة بالأعمال صالحها وسيئها ، وهذه الآية نص في أن الثواب والعقاب معلق باكتساب العبيد ، وأنه يوم لا يوضع فيه أمر غير موضعه ، وذلك قوله : لا ظُلْمَ الْيَوْمَ . ثم أخبرهم عن نفسه بسرعة الحساب ، وتلك عبارة عن إحاطته بالأشياء علما ، فهو يحاسب الخلائق في ساعة واحدة كما يرزقهم ، لأنه لا يحتاج إلى عد وفكرة ، لا رب غيره . وروي أن يوم القيامة لا ينتصف حتى يقيل المؤمنون في الجنة والكافرون في النار .