ابن العربي

616

أحكام القرآن

الثالث - قال سيبويه : إذا كان مفردا قد يجمع إذا أردت به التثنية ، كقول العرب : وضعا رحالهما ، وتريد رحلي راحلتيهما ، وإلى معنى الثاني يرجع في البيان الرابع ، ويشترك الفقهاء معهم فيه أنه في كل جسد يدان ، فهي أيديهما معا حقيقة ، ولكن لما أراد اليمنى من كل جسد ، وهي واحدة ، جرى هذا الجمع على هذه الصفة ، وتأوّل كذلك . الخامس - أنّ ذكر الواحد بلفظ الجميع عند التثنية أفصح من ذكره بلفظ التثنية مع التثنية ؛ فهذا منتهى ما تحصّل لي من أقوالهم ، وقد تتقارب وتتباعد ، وهذا كلّه بناء على ما أشرنا إليه عنهم في الخامس ، من أنهم بنوا الأمر على أنّ اليمين وحدها هي التي تقطع ، وليس كذلك ؛ بل تقطع الأيدي والأرجل ، فيعود قوله : أيديهما إلى أربعة ، وهي جمع في الآيتين ، وهي « 1 » تثنية ؛ فيأتي الكلام على فصاحته ، ولو قال : فاقطعوا أيديهم لكان وجها ؛ لأنّ السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة ، وإنما هما اسما جنس يعمّان ما لا يحصى إلا بالفعل المنسوب إليه ، ولكنه جمع لحقيقة الجمع فيه . وبيان ما قلنا من قطع الأيدي والأرجل أنّ الناس اختلفوا في ذلك كثيرا مآله إلى ثلاثة أقوال : الأول - أنّه تقطع يمين السارق خاصة ، ولا يعود عليه القطع ؛ قاله عطاء . الثاني - أنه تقطع اليسرى ولا يعود عليه القطع ، في رجل رجل ؛ قاله أبو حنيفة « 2 » . الثالث - تقطع يده اليمنى ، فإن عاد قطعت رجله اليسرى ، فإن عاد قطعت يده اليسرى ، فإن عاد قطعت رجله اليمنى ؛ قاله مالك والشافعي . وأما قول عطاء فليس على غلطه غطاء ؛ فإنّ الصحابة قبله قالوا خلافه . وقد قال اللّه تعالى : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ، فجاء بالجمع ، فإن تعلّق بأقوال النحاة قلنا : ذلك يكون تأويلا مع الضرورة إذا جاء دليل يدلّ على خلاف الظاهر ، فيرجع إليه ، فبطل ما قاله . وأما قول أبي حنيفة فإنه يردّه حديث الحارث بن حاطب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتى بلصّ فقال : اقتلوه . قالوا : يا رسول اللّه ؛ إنما سرق . قال : اقطعوا يده . قالوا : ثم

--> ( 1 ) في القرطبي : وهما . ( 2 ) أحكام الجصاص : 4 - 71 .