ابن العربي
607
أحكام القرآن
المسألة الخامسة - قد بيّنا أنّ هذه الآية عامة ، لا طريق للإجمال إليها ، فالسرقة تتعلق بخمسة معان : فعل هو سرقة ، وسارق ، ومسروق مطلق ، ومسروق منه ، ومسروق فيه . فهذه خمسة متعلقات يتناول الجميع عمومها إلا ما خصّه الدليل . أما السرقة فقد تقدم ذكرها . وأما السارق - وهي : المسألة السادسة - فهو فاعل من السرقة ، وهو كلّ من أخذ شيئا على طريق الاختفاء عن الأعين ؛ لكن الشريعة شرطت فيه ستة معان : العقل ؛ لأنّ من لا يعقل لا يخاطب عقلا . والبلوغ ؛ لأن من لم يبلغ لا يتوجّه إليه الخطاب شرعا . وبلوغ الدعوة ؛ لأنّ من كان حديث عهد بالإسلام ولم يثافن « 1 » حتى يعرف الأحكام ، وادعى الجهل فيما أتى من السرقة والزنا وظهر صدقه لم تجب عليه عقوبة ، كالأب في مال ابنه ، لما قدمناه من قوله صلى اللّه عليه وسلم : إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإنّ ولده من كسبه . ولذلك قلنا : إذا وطئ أمة ابنه لا حدّ عليه للشبهة التي له فيها ، والحدود تسقط بالشبهات ، فهذا الأب وإن كان جاء بصورة السرقة في أخذ المال خفية فإنّ له فيه سلطان الأبوة وتبسط الاستيلاء ، فانتصب ذلك شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات . وأما متعلق المسروق - وهي : المسألة السابعة - فهو كلّ مال تمتدّ إليه الأطماع ، ويصلح عادة وشرعا للانتفاع به ، فإن منع منه الشرع لم ينفع تعلّق الطماعية فيه ، ولا يتصوّر الانتفاع منه ، كالخمر والخنزير مثلا . وقد كان ظاهر الآية يقتضى قطع سارق القليل والكثير ؛ لإطلاق الاسم عليه وتصوّر المعنى فيه . وقد قال به قوم منهم ابن الزبير ، فإنه يروى أنه قطع في درهم . ولو صحّ ذلك عنه لم يلتفت إليه ؛ لأنه كان ذا شواذّ ، ولا يستريب اللبيب ، بل يقطع المنصف أنّ سرقة التافه لغو ، وسرقة الكثير قدرا أو صفة محسوب ، والعقل لا يهتدى إلى الفصل فيه بحدّ تقف المعرفة عنده ، فتولّى الشرع تحديده بربع دينار .
--> ( 1 ) ثافن : لازم .