ابن العربي
596
أحكام القرآن
قلنا : فيه روايتان : إحداهما أنه يستتاب ، والأخرى لا يستتاب . وقد اختلف العلماء على القولين ، فقيل : لا يستتاب ؛ لأنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قتل هؤلاء ولم يستتبهم . وقيل : يستتاب المرتدّ ، وهو مشهور المذهب ، وإنما ترك النبي صلى اللّه عليه وسلم استتابة هؤلاء لما أحدثوا من القتل ، والمثلة والحرب ؛ وإنما يستقاب المرتدّ الذي يرتاب فيستريب « 1 » به ويرشد ، ويبيّن له المشكل ، وتجلى له الشّبهة . فإن قيل : فكيف يقال إنّ هذه الآية تناولت المسلمين ، وقد قال : إنما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ؛ وتلك صفة الكفار ؟ قلنا : الحرابة تكون بالاعتقاد الفاسد ، وقد تكون بالمعصية ، فيجازى بمثلها ، وقد قال تعالى « 2 » : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . فإن قيل : ذلك فيمن يستحلّ الربا . قلنا : نعم ، وفيمن فعله « 3 » ، فقد اتفقت الأمة على أنّ من يفعل المعصية يحارب ، كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا ، وعلى ترك الجمعة والجماعة . المسألة الرابعة - في تحقيق المحاربة : وهي إشهار السلاح قصد السلب ، مأخوذ من الحرب ؛ وهو استلاب ما على المسلم بإظهار السلاح عليه ، والمسلمون أولياء اللّه بقوله تعالى « 4 » : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا . وقد شرح ذلك مالك شرحا بالغا فيما رواه ابن وهب عنه : قال ابن وهب : قال مالك : المحارب الذي يقطع السبيل وينفرّ بالناس في كل مكان ، ويظهر الفساد في الأرض وإن لم يقتل أحدا ، إذا ظهر عليه يقتل ؛ وإن لم يقتل فللإمام أن يرى فيه رأيه بالقتل ، أو الصّلب ، أو القطع ، أو النفي ؛ قال مالك : والمستتر « 5 » في ذلك والمعلن بحرابته [ سواء ] « 6 » . وإن استخفى بذلك ، وظهر في الناس إذا أراد الأموال وأخاف فقطع السبيل أو قتل ، فذلك إلى الإمام ؛ يجتهد أىّ هذه الخصال شاء . وفي رواية عن « 7 »
--> ( 1 ) في ا : فيترتب ، وهو تحريف . ( 2 ) سورة البقرة ، آية 279 . ( 3 ) في ل : يفعله . ( 4 ) سورة يونس ، آية 62 ( 5 ) في ا : ويستشير . ( 6 ) من ل . ( 7 ) في ا : غير .