ابن العربي
527
أحكام القرآن
قلنا : كذبتم ؛ إنما كانوا يتعاقدون على ما كانوا يعتقدونه حقّا ، وفيما كانوا يعتقدونه حقّا ما هو حق كنصرة المظلوم ، وحمل الكلّ ، وقرى الضيف ، والتعاون على نوائب الحق . وفيه أيضا باطل ؛ فرفع الإسلام من ذلك الباطل بالبيان ، وأوثق عرى الجائز ، وألحق منه بالأمر بالوفاء بإتيانهم نصيبهم فيه ، كما تقدم من النصيحة والرفادة والنصرة ، وهذا كما قال صلى اللّه عليه وسلم : المؤمنون عند شروطهم . معناه إنما تظهر حقيقة إيمانهم « 1 » عند الوفاء بشروطهم . وقال صلى اللّه عليه وسلم : أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج . ثم قال : ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب اللّه ، من اشترط شرطا ليس في كتاب اللّه فهو باطل وإن [ كان ] « 2 » اشترط مائة شرط . فبيّن أن الشرط الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب اللّه تعالى ، أي دين اللّه تعالى ، كذلك لا يلزم الوفاء بعقد إلا أن يعقد على ما في كتاب اللّه . وعلى المسلمين أن يلتزموا الوفاء بعهودهم وشروطهم إلّا أن يظهر فيها ما يخالف كتاب اللّه ، فيسقط . ولا يمنع هذا التعلّق بعموم القولين ؛ ولذلك حثّ على فعل الخير ، فقال « 3 » : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وأمر بالكفّ عن الشر ، فقال : لا ضرر ولا ضرار . فهذا حثّ على فعل كل خير واجتناب كل شر . فأما اجتناب الشر فجميعه واجب . وأمّا فعل الخير فينقسم إلى ما يجب وإلى ما لا يجب ؛ وكذلك الوفاء بالعقود ، ولكنّ الأصل فيها الوجوب ، إلّا ما قام الدليل على ندبه ؛ وقد جهل بعضهم فقال : لما كانت العقود الباطلة والشروط الباطلة لا نهاية لها والجائز منها محصور فصار مجهولا فلا يجوز الاحتجاج على الوفاء بالعقود ولا بالشروط لأجل ذلك وهي « 4 » عبارة عظيمة ، وهي : المسألة التاسعة : قلنا : وما لا يجوز [ كيف ] « 5 » يدخل تحت مطلق أمر اللّه سبحانه حتى يجعله مجملا . واللّه لا يأمر بالفحشاء ولا بالباطل : لقد ضلّت إمامتك وخابت أمانتك ، وعلى هذا لا دليل في الشرع لأمر يفعل ؛ فإن منه « 6 » كله ما لا يجوز ، ومنه ما يجوز ،
--> ( 1 ) في ل : إسلامهم . ( 2 ) من ل . ( 3 ) سورة الحج ، آية 77 ( 4 ) في ل : وهذه . ( 5 ) من ل . ( 6 ) في ا : فيه .