ابن العربي
1032
أحكام القرآن
وأنّ مقابله وهو التواتر لا ينحصر بعدد ، وقد بيناه في موضعه ، وهذه إشارته . الآية الثامنة والأربعون - قوله تعالى « 1 » : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ . قد قدّمنا الإشارة إلى أنّ اللّه أمر بأوامر متعددة مختلفة المتعلقات ، فقال « 2 » : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ . وقال « 3 » : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . وقال « 4 » : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً . وقال « 5 » : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ . وهذا كلّه صحيح مناسب ، والمقصود قتال جميع المؤمنين لجميع الكفار ، وقتال الكفار أينما وجدوا ، وقتال أهل الكتاب من جملتهم ، وهم الروم ، وبعض الحبشان ، وذلك إنما يتكيّف لوجهين : أحدهما - بالابتداء ممّن يلي ؛ فيقاتل كلّ واحد من يليه ، ويتفق أن يبدأ المسلمون كلّهم بالأهم ممن يليهم ، أو الذين يتيقّن الظفر بهم . وقد سئل ابن عمر بمن نبدأ بالروم أو بالدّيلم ؟ فقال : بالروم . وقد روى في الأثر : اتركوا الرابضين ما تركوكم ؛ يعنى الروم والحبش . وقول ابن عمر أصحّ ، وبداءته بالروم قبل الدّيلم لثلاثة أوجه : أحدها - أنهم أهل الكتاب ، فالحجة عليهم أكثر وآكد . والثاني - أنهم إلينا أقرب ، أعنى أهل المدينة . الثالث - أن بلاد الأنبياء في بلادهم أكثر ، فاستنقاذها منهم أوجب . الآية التاسعة والأربعون - قوله تعالى « 6 » : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . قد قدّمنا القول في زيادة الإيمان ونقصانه بما يغنى عن إعادته ، واستيفاؤه في كتب الأصول .
--> ( 1 ) آية 123 . ( 2 ) آية 29 . ( 3 ) آية 5 . ( 4 ) آية 36 . ( 5 ) آية 123 ( 6 ) آية 124