ابن العربي

571

أحكام القرآن

الثالث - أن كلّ من وصف وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذكر أنه مسح رأسه كله . فإن قيل : فقد ثبت أنه مسح ناصيته وعمامته ، وهذا نصّ على البعض ؟ قلنا : بل هو نصّ على الجميع ؛ لأنه لو لم يلزم الجميع لم يجمع بين العمامة والرأس . فلما مسح بيده على ما أدرك من رأسه وأمرّ يده على الحائل بينه وبين باقيه أجراه مجرى الحائل من جبيرة أو خفّ ، ونقل الفرض إليه كما نقله في هذين . جواب آخر - وهو أنّ هذا الخبر حكاية حال وقضية في عين ؛ فيحتمل أن يكون النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم مزكوما فلم يمكنه كشف رأسه ؛ فمسح البعض ومرّ بيده على جميع البعض ، فانتهى آخر الكفّ إلى آخر الناصية ، فأمرّ اليد على العمامة ، فظن الراوي أنه قصد مسح العمامة ، وإنما قصد مسح الناصية بإمرار اليد ؛ وهذا مما يعرف مشاهدة ، ولهذا لم يرو عنه قطّ شيء من ذلك في أطواره بأسفاره على كثرتها . المسألة الثامنة والعشرون - ظنّ بعض الشافعية وحشوية النحوية أنّ الباء للتبعيض ، ولم يبق ذو لسان رطب إلا وقد أفاض في ذلك حتى صار الكلام فيها إحلالا بالمتكلم ، ولا يجوز لمن شدا « 1 » طرفا من العربية أن يعتقد في الباء ذلك ، وإن كانت ترد في موضع لا يحتاج إليها فيه لربط الفعل بالاسم ، فليس ذلك إلا لمعنى ؛ تقول : مررت بزيد ، فهذا لإلصاق الفعل بالاسم ، ثم تقول : مررت زيدا فيبقى المعنى . وفي ذلك خلاف بيانه في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين ، وقد طال القول في هذا الباب ، وترامت فيه الخواطر في المحاضر حتى أفادنى فيه بعض أشياخي في المذاكرة والمطالعة فائدة بديعة : وذلك أن قوله : فَامْسَحُوا يقتضى ممسوحا ، وممسوحا به . والممسوح الأول هو ما كان . والممسوح الثاني هو الآلة التي بين الماسح والممسوح ، كاليد والمحصّل للمقصود من المسح ، وهو المنديل ؛ وهذا ظاهر لا خفاء به ؛ فإذا ثبت هذا فلو قال : امسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد إمرارا من غير شيء على الرأس لا ماء ولا سواه ، فجاء بالباء لتفيد ممسوحا به ، وهو

--> ( 1 ) شدا طرفا من العربية : أخذ طرفا منها .