ابن العربي
1022
أحكام القرآن
الرابعة - روى ابن عباس أنّ رجالا من أصحاب النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قالوا له : يا رسول اللّه ؛ إنّ من آبائنا من كان يحسن الجوار ، ويصل الأرحام ، أفلا نستغفر لهم ؟ فأنزل اللّه : ما كانَ لِلنَّبِيِّ . . . . الآية . الخامسة - روى عن عليّ قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه ، فقلت : تستغفر لهما ، وهما مشركان ؟ فقال : أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه ! فذكرته لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت : ما كانَ لِلنَّبِيِّ . . . الآية . وهذه أضعف الروايات . المسألة الثانية - قوله تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا : دليل على أحد أمرين : إما أن تكون الرواية الثانية صحيحة ، فنهى اللّه النبي والمؤمنين . إما أن تكون الرواية الأولى هي الصحيحة ويخبر به عما فعل النبىّ ، وينهى المؤمنون أن يفعلوا مثله ، تأكيدا للخبر ؛ وسائر الروايات محتملات . المسألة الثالثة - منع اللّه رسوله والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين ؛ لأنه قد قدّر ألّا تكون ؛ وأخبر عن ذلك ، وسؤال ما قدّر أنه لا يفعله ، وأخبر عنه هنا . فإن قيل : فقد قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم - حين كسروا رباعيته ، وشجّوا وجهه : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . فسأل المغفرة لهم . قلنا : عنه أربعة أجوبة : الأول - يحتمل ، أن يكون ذلك قبل النهى ، وجاء النهى بعده . الثاني - أنه يحتمل أن يكون ذلك سؤالا في إسقاط حقّه عندهم ، لا لسؤال إسقاط حقوق اللّه ، وللمرء أن يسقط حقّه عند المسلم والكافر . الثالث - أنه يحتمل أن يطلب المغفرة لهم ؛ لأنهم أحياء ، مرجوّا إيمانهم ، يمكن نألّفهم بالقول الجميل ، وترغيبهم في الدين بالعفو عنهم . فأما من مات فقد انقطع منه الرجاء . الرابع - أنه يحتمل أن يطلب لهم المغفرة في الدنيا برفع العقوبة عنهم حتى إلى الآخرة ، كما قال اللّه « 1 » : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ .
--> ( 1 ) سورة الأنفال ، آية 33