ابن العربي
1015
أحكام القرآن
فإن قيل ، وهي : المسألة الثالثة - فقوله : فِيهِ ، فِيهِ : ضميران يرجعان إلى مضمر واحد بغير نزاع ، وضمير الظرف الذي يقتضى الرجال المتطهّرين هو مسجد قباء ؛ فذلك الذي أسّس على التقوى ، وهو مسجد قباء . والدليل على أنّ ضمير الرجال المتطهّرين هو ضمير مسجد قباء حديث أبي هريرة ، قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا . . . الآية . قال : كانوا يستنجون بالماء ، فنزلت هذه الآية فيهم . وقال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لأهل قباء : إنّ اللّه قد أحسن عليكم الثناء في الطهور « 1 » ؛ فما تصنعون ؟ فقالوا : إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء . قلنا : هذا حديث لم يصحّ . والصحيح هو الأول . وقد اختلف في الطهارة المثنى بها على أقوال لا تعلّق لها بما نحن فيه ، كالتطهر بالتوبة من وطء النساء في أدبارهنّ وشبهه . فأما قوله : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ فإنما معناه أنه أسّس على التقوى من أول مبتدأ تأسيسه ؛ أي لم يشرع فيه ، ولا وضع حجر على حجر منه إلا على اعتقاد التقوى . والذين كانوا يتطهّرون ، وأثنى اللّه عليهم جملة من الصحابة كانوا يحتاطون على العبادة والنّظافة ، فيمسحون من الغائط والبول بالحجارة تنظيفا لأعضائهم ، ويغتسلون بالماء تماما لعبادتهم ، وكمالا لطاعتهم . المسألة الرابعة - هذا ثناء من اللّه تعالى على من أحبّ الطهارة ، وآثر النظافة ، وهي مروءة آدمية ، ووظيفة شرعية روى « 2 » الترمذىّ وصحّحه عن عائشة رضوان اللّه عليهما أنها قالت : مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم « 3 » . وفي الصحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يحمل معه الماء في الاستنجاء ، فكان يستعمل الحجارة تخفيفا ، والماء تطهيرا ، واللازم في نجاسة المخرج التخفيف ، وفي نجاسة
--> ( 1 ) في القرطبي : التطهر . ( 2 ) الترمذي : 1 - 31 . ( 3 ) بقيته في الترمذي : فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يفعله .