ابن العربي

1012

أحكام القرآن

وهذا مدح يتميّز به الفاضل من الناقص والمحقّ من المبطل ، ثم ذكر السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار ، ثم قال « 1 » : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ . وقال « 2 » : وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ؛ أي استمرّوا عليه وتحقّقوا به . وقال : وآخرون - يعنى على التوسط - خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ثم قال « 3 » : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وهم نحو من سبعة ، منهم أبو لبابة ، وكعب ، ومرارة ، وهلال ، جعلهم تحت المشيئة ورجأهم بالتوبة ، مشيرا إلى المغفرة والرحمة ، ثم قال « 4 » : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً . أسقط ابن عامر ونافع منهما الواو ، كأنه ردّه إلى من هو أهل ممن تقدم ذكره ، وزاد غيرهما الواو ، كأنه جعلهم صنفا آخر . وقد قيل : إنّ إسقاط الواو تجعله مبتدأ ، وليس كذلك ؛ بل هو لما تقدم وصف ، ولن يحتاج إلى إضمار ، وقد مهدناه في الملجئة . المسألة الثانية - في سبب نزول الآية : روى « 5 » أن اثنى عشر رجلا من المنافقين كلّهم ينتمون إلى الأنصار بنى عمرو بن عوف بنوا مسجدا ضرارا بمسجد قباء ، وجاءوا إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وهو خارج إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول اللّه ، قد بنينا مسجد الذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة ، وإنا نحبّ أن تأتينا وتصلى فيه لنا . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إني على جناح سفر وشغل ، ولو قدمنا إن شاء اللّه أتيناكم فصلّينا لكم فيه . فلما نزل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بقرب المدينة راجعا من سفره أرسل قوما لهدمه ، فهدم وأحرق . المسألة الثالثة - قوله تعالى : ضِراراً : قال المفسرون : ضرارا بالمسجد ، وليس للمسجد ضرار ، إنما هو ضرار لأهله . المسألة الرابعة - قوله : وَكُفْراً : لمّا اتخذوا المسجد ضرارا لاعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قباء ولا لمسجد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كفروا بهذا الاعتقاد .

--> ( 1 - 2 ) سورة التوبة ، آية 101 . ( 3 ) آية 106 . ( 4 ) آية 107 ، وهي الآية التي يتكلم فيها . ( 5 ) أسباب النزول : 149