ابن العربي
984
أحكام القرآن
في شرح الصحيح والأصول ، وفيه قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذ ائتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر . روته الصحاح والأئمة ، وتباين الناس فيه حزقا « 2 » ، وتفرّقوا فرقا ، بسبب أنّ المعاصي بالجوارح لا تكون كفرا عند أهل الحق ، ولا في دليل التحقيق . وظاهر هذا الحديث يقتضى أنه إذا اجتمعت فيه هذه الخصال صحّ نفاقه وخلص ، وإذا كان منهن واحدة كانت فيه من النفاق خصلة ، وخصلة من النفاق نفاق ، وعقدة من الكفر كفر ، وعليه يشهد ظاهر هذه الآية بما قال فيه من نكثه لعهده ، وغدره الموجب له حكم النفاق ؛ فقالت طائفة : إن ذلك إنما هو لمن يحدّث بحديث يعلم كذبه ، ويعهد بعهد لا يعتقد الوفاء به ، وينتظر الأمانة للخيانة فيها . وتعلقوا فيما ذهبوا إليه من ذلك بحديث خرجه البزّار ، عن سلمان ، قال : دخل أبو بكر وعمر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : من خلال المنافقين « 3 » ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . فخرجا من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثقلين ، فلقيهما علىّ فقال لهما : مالي أراكما ثقيلين ؟ قالا : حديثا سمعناه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من خلال المنافقين إذا حدث كذب ، وإذا ائتمن خان ، وإذا وعد أخلف . فقال علىّ : أفلا سألتماه ؟ فقالا : هبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : لكني سأسأله . فدخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : لقيني أبو بكر وعمر ، وهما ثقيلان ، ثم ذكر ما قالا . فقال : قد حدّثتهما ، ولم أضعه على الموضع الذي يضعونه ، ولكن المنافق « 4 » إذا حدّث وهو يحدّث نفسه أنه يكذب ، وإذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف ، وإذا ائتمن وهو يحدّث نفسه أنه يخون . قال القاضي الإمام : هذا ليس بممتنع لوجهين : أحدهما ضعف سنده . والثاني أنّ الدليل الواضح قد قام على أنّ متعمد « 5 » هذه الخصال لا يكون كافرا ، وإنما يكون كافرا باعتقاد يعود إلى الجهل باللّه وصفاته أو التكذيب له .
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 76 . ( 2 ) حزقا : جماعات ، وفرقا . ( 3 ) في ل : المنافق . ( 4 ) في ل : ولكن المنافق الذي . ( 5 ) في ل : معتقد .