ابن العربي

973

أحكام القرآن

قلنا : صدقة التطوع والفرض هاهنا واحد ؛ لأن المنع منه إنما هو لأجل عوده عليه ، وهذه العلة لو كانت مراعاة لاستوى فيه التطوّع والفرض . والمسألة الرابعة والعشرون - إذا كان الفقير قويّا ، فقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر : يعطى ، يعنى لتحقيق صفة الاستحقاق فيه . وقال يحيى بن عمر : لا يجزيه ، وبه قال الشافعي ، لقول النبىّ صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : لا تحلّ الصدقة لغنىّ ولا لذي مرّة « 2 » سوىّ - خرجه الترمذي مع غيره ، وزاد فيه : إلا لذي فقر مدقع أو غرم مفظع « 3 » . وقال : هذا غريب ، والحديث المطلق دون زيادة لا يركن إليه ، ولا ينبغي أن يعوّل على هذا ؛ فإن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كان يعطيها للفقراء لأصحّاء ، ووقوفها على الزمنى باطل ، وهذا أولى من ذلك بالاتباع ، وأقوى منه في الارتباط والانتزاع . المسألة الخامسة والعشرون - من كان له نصاب من الزكاة ، هل يجوز له أخذها أم لا ؟ فقال علماؤنا تارة : من ملك نصابا فلا يأخذ منها شيئا ؛ لأنه غنّى تؤخذ منه فلا تدفع إليه . وفي القول الثاني : يأخذ منها ، وقد ثبت أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : من سأل وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا . والصحيح ما قاله مالك والشافعي : إن من كانت عنده كفاية تغنيه فهو الغنىّ وإن كان أقلّ من نصاب ، ومن زاد على النصاب ولم تكن فيه كفاية لمئونته ولا سداد لخلّته « 4 » فليس بغنىّ فيأخذ منها . المسألة السادسة والعشرون - اختلف العلماء ، هل يعطى من الزكاة نصابا أم لا ؟ على قولين . وقال بعض المتأخرين : إن كان في البلد زكاتان : نقد ، وحرث ، أخذ ما يبلّغه إلى الأخرى . والذي أراه أن يعطى نصابا ، وإن كان في البلد زكاتان وأكثر ، فإنّ الغرض إغناء الفقير ، حتى يصير غنيّا ، فإذا أخذ تلك فإن حضرت زكاة أخرى وعنده ما يكفيه أخذها غيره ، وإلا عاد عليه العطاء .

--> ( 1 ) ابن ماجة : 589 ، والترمذي : 3 - 33 . ( 2 ) المرة : القوة والشدة . والسوى : الصحيح الأعضاء ( النهاية ) . ( 3 ) فقر مدقع : شديد يفضى بصاحبه إلى الدقعاء ، والدقعاء : الأرض لا نبات بها . وعزم مفظع : حاجة لازمة من غرامة مثقلة . ( 4 ) الخلة : الحاجة .