ابن العربي

971

أحكام القرآن

المسألة الثانية والعشرون - إذا قلنا : إنّ الأصناف الثمانية مستحقّون ، فيأخذ كلّ أحد حقّه وهو الثمن ، ولا مسألة معنا . وإن قلنا : إن الإمام يجتهد ، وهو الصحيح ؛ فاختلف العلماء بأي صنف يبدأ . فأما العاملون فإن قلنا : إنّ أجرتهم من بيت المال فلا كلام . وإن قلنا : إن أجرتهم من الزكاة فيهم نبدأ ، فنعطيهم الثّمن على قول ، وقدر أجرتهم على الصحيح في الشرع ؛ فإن الخبر بأن يعطى كلّ أجير أجره قبل أن يجفّ عرقه مأثور اللفظ صحيح المعنى . فإن أخذ العامل حقّه « 1 » فلا يبقى صنف يترجّح فيه إلا صنفين ؛ وهما سبيل اللّه والفقراء ، أو ثلاثة أصناف إن قلنا : إنّ الفقراء والمساكين صنفان ، فأما سبيل اللّه إذا اجتمع مع الفقر فإن الفقر مقدّم عليه « 2 » إلا أن ينزل بالمسلمين حاجة إلى مال الصدقة فيما لا بدّ منه من دفع مضرّة ، كما تقدّم ، فإنه يقدم على كل نازلة . وأما الفقراء والمساكين فالصحيح أنهم صنفان ، ولا نبالى بما قال الناس فيهما ، وها أنا ذا أريحكم منه بعون اللّه ؛ فإن قال القائل بأن الفقير من له شيء والمسكين من لا شيء له ، أو بعكسه ، فإن من لا شيء له هو المقدّم على من له شيء ، فهذا المعنى ساقط لا فائدة فيه . وأما إن قلنا : إن الفقير هو الذي لا يسأل ، والمسكين هو الذي يسأل فالذي لا يسأل أولى ، لأن السائل أقرب إلى التفطّن « 3 » والغنى والعلم به ممن لا يسأل ، ولا يفطن له فيتصدق عليه . ولا خلاف أن الزّمن « 4 » مقدّم على الصحيح ، وأنّ المحتاج مقدّم على سائر الناس ، وأن المسلم مقدم على الكتابي . وقد سقط اعتبار الهجرة والتقرب بذهاب زمانهما ، فلا معنى للاحتجاج على ذلك كلّه ، والحمد للّه الذي منّ « 5 » بالمعرفة وكفانا المؤنة . المسألة الثالثة والعشرون - هذه الأوصاف « 6 » التي ذكرنا شأنها في الأصناف التي قدمنا بيانها إنما تعتبر عند علمائنا فيمن لا قرابة بينه وبين المتصدق ، فإن وقعت القرابة ففي ذلك تفصيل عريض طويل .

--> ( 1 ) في ل : أجره . ( 2 ) في ل : فإن الفقراء مقدمون . ( 3 ) في ل : التعطف . ( 4 ) زمن الشخص زمنا وزمانة فهو زمن : مرض يدوم زمانا طويلا ، والقوم زمنى . ( 5 ) في ا : منها ، وهو تحريف . ( 6 ) في ا : الأصناف .