ابن العربي

960

أحكام القرآن

خصص هذا العموم بقوله : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها على فقرائكم ؛ فخصصناه بما خصصه به صاحب الشريعة ، المبيّن للناس ما نزّل إليهم ؛ وما فهم المقصود أحد فهم الطبري ؛ فإنه قال : الصدقة لسدّ خلّة « 1 » المسلمين ، ولسدّ خلّة الإسلام ؛ وذلك من مفهوم مأخذ القرآن في بيان الأصناف وتعديدهم . والذي جعلناه فصلا بيننا وبينهم أنّ الأمة اتفقت على أنه لو أعطى كلّ صنف حظّه لم يجب تعميمه ، فكذلك تعميم الأصناف مثله . فإن قيل : فقد روى زياد بن الحارث الصّدائى : أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبايعته ، فأتاه رجل فقال : أعطني من الصدقة . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنّ اللّه لم يرض بحكم نبىّ ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها ، فجزّأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من [ أهل ] « 2 » تلك الأجزاء أعطيتك حقّك . وقد قال النخعي : إن كان المال كثيرا قسمه على الأصناف ، وإلّا وضعه في صنف . وقال أبو ثور : إن أخرجه صاحبه جاز له أن يضعه في قسم « 3 » ، وإن قسمه الإمام استوعب الأصناف ؛ وذلك فيما قالوا : إنه إن كان كثيرا فليعمّهم ، وإن كان قليلا كان قسمه ضررا « 4 » عليهم . وكذلك إن قسمه صاحبه لم يقدر على النظر في جميع الأصناف ، فأما الإمام فحقّ كل واحد من الخلق متعلق به من بيت المال وغيره ، فيبحث عن الناس ، ويمكنه تحصيلهم ، والنظر في أمرهم . والذي صار إليه مالك من أنه يجتهد الإمام ويتحرّى موضع الحاجة هو الأقوى . وتحقيق المسألة أنّ المتحصل من أصناف الآية ثلاثة أصناف : وهم الفقراء ، والعاملون عليها ، وفي سبيل اللّه . وسائر الأصناف داخلة فيما ذكرناه منها . فأما العاملون ، والمؤلفة قلوبهم فيأتي بيان حالهم إن شاء اللّه . إذا ثبت هذا فإن بيان الأصناف من مهمّات الأحكام ، فنقول - وهي :

--> ( 1 ) الخلة : الفقر والحاجة . ( 2 ) من القرطبي . ( 3 ) في ل : صنف . ( 4 ) في ل : سوءا .