ابن العربي
951
أحكام القرآن
أبا بكر بهذه الآية ، ففيها عدة فضائل مختصة لم تكن لغيره ، منها قوله : إذ يقول لصاحبه ، فحقّق له تعالى [ قوله له ] « 1 » بكلامه ، ووصف الصحبة في كتابه متلوّا إلى يوم القيامة . ومنها قوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَنا . وفي الحديث الصحيح أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال لأبى بكر في الغار : يا أبا بكر ، ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما ؟ وهذه مرتبة عظمى ، وفضيلة شمّاء ، لم يكن لبشر أن يخبر عن اللّه سبحانه أنه ثالث اثنين ، أحدهما أبو بكر ، كما أنه قال مخبرا عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وأبى بكر - ثاني اثنين . ومنها قوله : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا . وقال مخبرا عن موسى وبني إسرائيل « 2 » : كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ . قال لنا أبو الفضائل المعدل « 3 » : قال لنا جمال الإسلام أبو القاسم ، قال موسى : كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ، وقال في محمد وصاحبه : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا . لا جرم لما كان اللّه مع موسى وحده ارتدّ أصحابه بعده ، فرجع من عند ربه ، ووجدهم يعبدون العجل . ولما قال في محمد صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه معنا ، بقي أبو بكر مهتديا موحّدا ، عالما عازما ، قائما بالأمر لم يتطرّق إليه اختلال . ومنها قوله : فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ : فيه قولان : أحدهما - على النبي . الثاني - على أبى بكر . قال علماؤنا : وهو الأقوى ؛ لأنّ الصدّيق خاف على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من القوم ، فأنزل اللّه سكينته ؛ ليأمن على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فسكن جأشه ، وذهب روعه ، وحصل له الأمن ، وأنبت اللّه شجر ثمامة ، وألهم الوكر هنالك حمامه ، وأرسل العنكبوت فنسجت عليه بيتا ، فما أضعف هذه الجنود في ظاهر الحس ؛ وما أقواها في باطن المعنى ولهذا المعنى قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح - لعمر حين تغامر « 4 » مع أبي بكر الصديق :
--> ( 1 ) من م . ( 2 ) سورة الشعراء ، آية 62 . ( 3 ) في القرطبي : أبو الفضائل العدل . ( 4 ) في ا : تعاهد . والمثبت من القرطبي أيضا . ومعنى المغامرة المخاصمة .