ابن العربي

945

أحكام القرآن

ومنهم من قال : هو التصديق ؛ قاله لسان الأمة أيضا . ومنهم من قال : هو الاعتقاد والقول والعمل ، فمن قال : إنه المعرفة منهم فقد خالف اللغة ، وتجوّز ظاهرها إلى وجه من التأويل فيها . ومن قال : إنه التصديق فقد وافق مطلق اللغة ، لكنه قد يكون بمعنى التصديق ، وقد يكون بمعنى الأمان « 1 » ، قال النابغة « 2 » : والمؤمن العائذات الطير يمسحها * ركبان مكة بين الغيل والسند وأما من قال : إنه الاعتقاد والقول والعمل فقد جمع الأقوال كلها ، وركّب تحت اللفظ مختلفات كثيرة ، ولم يبعد من طريق التحقيق في جهة الأصول ولا في جهة اللغة ؛ أما في جهة اللغة فلأن الفعل يصدق القول أو يكذّبه ؛ قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : العينان تزنيان ، واليدان تزنيان ، والرجلان تزنيان ، والنفس تمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه . فإذا علم أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه فليتكلم بمقتضى علمه ، وإذا تكلم بما علم فليعمل بمقتضى علمه ، فيطّرد الفعل والقول والعلم ، فيقع إيمانا لغويا شرعيّا ؛ أم لغة فلأنّ العرب تجعل الفعل تصديقا ، قال تعالى « 3 » : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا ، وصدق الوعد اتصال الفعل بالقول . فإن قيل : هذا مجاز . قلنا : هذه حقيقة ، وقد بيّناه في كتب الأصول ، وعلى هذا المعنى جاء قوله « 4 » : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ . وعلى ضده جاء قوله صلى اللّه عليه وسلم : من ترك الصلاة فقد كفر . إذا ثبت هذا فاختلفوا أيضا في الزيادة فيهما والنقصان كما بيناه في موضعه - وهي : المسألة السادسة - فأما من قال : إنه المعرفة أو التصديق بالقلب فأبعد الزيادة فيه والنقصان ؛ لأنها أعراض ؛ وزعموا أن الزيادة أو النقص لا يتصوّر في الأعراض ، وإنما يتأتى في الأجسام .

--> ( 1 ) في ل : الإيمان . ( 2 ) ديوانه : 30 . ( 3 ) سورة مريم ، آية 54 . ( 4 ) سورة البقرة ، آية 143 .