ابن العربي
939
أحكام القرآن
المسألة السابعة - قوله تعالى : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ : فيه قولان : أحدهما - لا تظلموا أنفسكم في الشهور كلها . وقيل في الثاني - المراد بذلك الأشهر الحرام . واختلف في المراد بالظلم على قولين أيضا : أحدهما - لا تظلموا فيهن أنفسكم بتحليلهنّ . وقيل : بارتكاب الذنوب فيهنّ ؛ فإن اللّه إذا عظّم شيئا من جهة صارت له حرمة واحدة ، وإذا عظّمه من جهتين أو من جهات صارت حرمته متعددة بعدد جهات التحريم ، ويتضاعف العقاب بالعمل السوء « 1 » فيها ، كما ضاعف الثواب بالعمل الصالح فيها ؛ فإنّ من أطاع اللّه في الشهر الحرام في البلد الحرام والمسجد « 2 » الحرام ليس كمن أطاعه في شهر حلال في بلد حلال في بقعة حلال . وكذلك العصيان والعذاب مثله في الموضعين والحالين والصفتين ؛ وذلك كلّه بحكم اللّه وحكمته . وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله « 3 » : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ، لعظمهن « 4 » وشرفهنّ في أحد القولين . المسألة الثامنة - فإن قيل : وكيف جعل بعض الأزمنة أعظم حرمة من بعض ؟ قلنا : عنه جوابان : أحدهما - إنّ الباري تعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ليس عليه حجر ، ولا لعمله علّة ؛ بل كل ذلك بحكمة ، وقد يظهر للخلق وجه الحكمة فيه ، وقد يخفى . الثاني - أنّ معنى ذلك أنّ النفس مجبولة على اقتضاء الشهوات ، فلما وجبت « 5 » عليه تكليف المحرمات جعل بعضها أغلظ من بعض ، ليعتاد بكفّها عن الأخفّ الكفّ عن الأغلظ ، ويجعل بعض الأزمنة والأمكنة أعظم حرمة من بعض ؛ ليعتاد في الخفيف الامتثال ، فيسهل عليه في الغليظ . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) في ا : العمل الصالح فيما كان - وهو تحريف ، وفي القرطبي ( 8 - 134 ) بالعمل السيئ . ( 2 ) في ل : واليوم . ( 3 ) سورة الأحزاب ، آية 30 . ( 4 ) في ل : لفضلهن . ( 5 ) في ل : وجهت .