ابن العربي
933
أحكام القرآن
ثم ولّى فجلس إلى سارية ، وجاست إليه ، ولا أردى من هو ، فقلت له : لا أرى القوم إلا قد كرهوا ما قلت لهم . قال : إنهم لا يعقلون شيئا ، قال لي خليلي . قلت : من خليلك ؟ قال : النبي صلى اللّه عليه وسلم : يا أبا ذر ؛ أتبصر أحدا ؟ فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار ، وأنا أرى رسول اللّه يرسلني في حاجة له . قلت : نعم . قال لي : ما أحبّ أنّ لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله ، إلا ثلاثة دنانير ، وإن هؤلاء لا يعقلون ، إنما يجمعون للدنيا ، واللّه لا أسألهم دنيا ، ولا أستفتيهم عن دين ، حتى ألقى اللّه « 1 » . قال القاضي : الحلمة : طرف الثدي ، والنّغض ، بارز عظم الكتف المحدد . ورواية أبي ذر لهذا الحديث صحيحة ، وتأويله غير صحيح ؛ فإن أبا ذر حمله على كل جامع للمال محتجز له ، وإنما المراد به من احتجنه واكتنزه عن الزكاة . والدليل عليه أمران : أحدهما - ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة قال : من آتاه اللّه ما لا فلم يؤدّ زكاته مثّل له ماله شجاعا أقرع له زبيبتان ، يطوّقه يوم القيامة ، يأخذ بلهزمتيه - يعنى بشدقيه - يقول : أنا مالك ، أنا كنزك . ثم قرأ « 2 » : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ . . . الآية . وقد تقدم بيانه . قال القاضي : قوله : ما لم تؤدّ زكاته ، يريد أو حقّ يتعلق به ، كفكّ الأسير ، وحق الجائع ، والعطشان . وقد بينا أن الحقوق العارضة كالحقوق الأصلية . وقوله : مثّل له ماله شجاعا ، يعنى حيّة . وهذا تمثيل حقيقة ؛ لأن الشجاع جسم والمال جسم ، فتغيّر الصفات والجسمية واحدة ، بخلاف قوله : يؤتى بالموت فإن تلك طريقة أخرى . وإنما خص الشجاع ؛ لأنه العدو الثاني للخلق . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم فيهن : ما سالناهن منذ حاربناهن . وقوله : أقرع ، يعنى الذي ابيضّ رأسه من السم . والزبيبتان : زبدتان في شدقي الإنسان إذا غضب وأكثر من الكلام ، قالت أم غيلان بنت جرير : ربما أنشدت أبى حتى تزبّب شدقاى .
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 689 . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية 180