ابن العربي

931

أحكام القرآن

وقال أبو حنيفة « 1 » : تجب فيه الزكاة . ولم يصح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فيه شيء . فأما أبو حنيفة : فأخذ بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في النقدين ولم يفرق بين حلى وغيره . وأما علماؤنا فقالوا : إن قصد التملك « 2 » لما أوجب الزكاة في العروض ، وهي ليست بمحلّ لإيجاب الزكاة ، كذلك قصد قطع النماء في الذهب والفضة باتخاذهما حليا يسقط الزكاة ، فإن ما أوجب ما لم يجب يصلح لإسقاط ما وجب ، وتخصيص ما عمّ وشمل . وقد قال بعض الناس : إن ما زاد على أربعة آلاف كنز ، وعزوه إلى علىّ . وليس بشيء يذكر ، لبطلانه . أما إنه ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : إنّ الأكثرين مالا هم الأقلّون يوم القيامة إلّا من قال هكذا وهكذا ، وأشار بيده يفرّقها . قال أبو ذرّ : الأكثرون أصحاب عشرة آلاف ، يريد أنّ الأكثرين مالا هم الأقلّون يوم القيامة ثوابا ، إلّا من فرّقه في سبيل اللّه . وهذا بيان لنقصان المرتبة بقلّة الصدقة ، لا لوجوب التفرقة بجميع المال ، ما عدا الصدقة الواجبة ، يبيّنه ما روى الترمذي عن سالم بن أبي الجعد ، عن ثوبان ، قال : لما نزلت : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال : كنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في بعض أسفاره ، فقال بعض أصحابه : أنزلت في الذهب والفضة « 3 » . لو علمنا أي المال خير فنتخذه ؟ فقال : أفضله لسان ذاكر ، وقلب شاكر ، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه . فجعل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم هذا جوابا لمن علم رغبته في المال فردّه إلى منفعة المال ، لما فيه من الفراغ ، وعدم الاشتغال . وقد بيّن أيضا في مواضع أخر : أي المال خير في حالة أخرى لقوم آخرين ؟ فقال : خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف « 4 » الجبال ، ومواقع القطر ، يفرّ بدينه من الفتن . المسألة الثامنة - قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها ، فذكر ضميرا واحدا عن مذكورين .

--> ( 1 ) والجصاص : 4 - 303 . ( 2 ) هكذا في الأصول ، وفي القرطبي : قصد النماء يوجب الزكاة في العروض . ( 3 ) في الترمذي ( 5 - 277 ) أنزل . . . ما أنزل . ( 4 ) الشعفة - محركة : رأس الجبل ، وجمعه شعف ، ( القاموس ) .