ابن العربي

925

أحكام القرآن

سفلى ، ويد الآخذ عليا ، ذلك بأنه الرافع الخافض ، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء ، وكل فعل أو حكم يرجع إلى الأسماء حسبما مهّدناه في الأمد الأقصى . فإن قيل : وهي : المسألة الثالثة عشرة - إذا بذل الجزية فحقن دمه بمال يسير مع إقراره على الكفر باللّه ؛ هل هذا إلا كالرضا به ؟ فالجواب أنا نقول : في ذلك وجهان من الحكمة : أحدهما - أنّ في أخذها معونة للمسلمين وتقوية لهم ، ورزق حلال ساقه اللّه إليهم . الثاني - أنه لو قتل الكافر ليئس « 1 » من الفلاح ووجب عليه الهلكة ؛ فإذا أعطى الجزية وأمهل لعله أن يتدبّر الحق ، ويرجع إلى الصواب ، لا سيما بمراقبة أهل الدين ، والتدرّب بسماع ما عند المسلمين ؛ ألا ترى أن عظيم كفرهم لم يمنع من إدرار رزقه سبحانه عليهم . وقد قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : لا أحد أصبر على أذى من اللّه ، يعافيهم ويرزقهم ، وهم يدعون له الصاحبة والولد . وقد بيّن علماء خراسان هذه المسألة ، فقالوا : إنّ العقوبات تنقسم إلى قسمين : أحدهما - ما فيه هلكة المعاقب . والثاني - ما يعود بمصلحة عليه ، من زجره عما ارتكب ، وردّه عما اعتقد وفعل . الآية الرابعة - عشرة - قوله تعالى « 2 » : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ، ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . فيها أربع مسائل : المسألة الأولى - في هذا من قول ربّنا دليل على أنّ من أخبر عن كفر غيره - الذي لا يجوز لأحد أن يبتدئ به - لا حرج عليه ؛ لأنه إنما ينطق به على معنى الاستعظام له والردّ عليه ، فلا يمنع ذلك منه ، ولو شاء ربّنا ما تكلم به أحد ، فإذا أمكن من انطلاق الألسنة به فقد أذن في الإخبار عنه ، على معنى إنكاره بالقلب واللسان والرد عليه بالحجّة والبرهان .

--> ( 1 ) في ل : أيس . ( 2 ) الآية الثلاثون .